- فن
- ربيع/صيف 2026
- أبريل
صوتٌ عابرٌ للحدود
حوار يجمع سعادة الشيخة الميّاسة والمغني الفلسطيني البارز مروان عبد الحميد، المعروف فنيًا باسم سان ليفان.
أُقيمت مؤخرًا جلسة حوارية جمعت سعادة الشيخة المياسة بالفنان الفلسطيني مروان عبد الحميد "سان ليفان"، ضمن برنامج الإقامة الفنية في جامعة جورجتاون في قطر. وأدار الجلسة عميد الجامعة، البروفيسور صفوان المصري، متناولين خلالها طيفًا غنيًا من القضايا المرتبطة بالثقافة والهوية وتحولات المشهد الإبداعي.
صفوان المصري: في عصرٍ يُفتن بكل ما هو جديد، يُنظر إلى الابتكار غالبًا على أنه قطيعة تامة مع التقاليد. غير أنّ مسار قطر يروي حكايةً مغايرة؛ فهذه الدولة الناهضة وثبت إلى الحداثة بسرعةٍ مدهشة، مستمدةً من تراثها ما يرشدها في مسارها، ويغذي رؤيتها.
قليلون هم الذين تركوا بصمة في هذا المسار يوازي تأثير سعادة الشيخة المياسة. ففي خضم المشهد الثقافي المتنامي في قطر، كانت سعادتها من أشدّ الداعمين للمواهب الفنية الشابة: من خلال رعاية الفنانين المقيمين في مطافئ، وخلق مسارات عبر برامج التدريب والمنح الدراسية، وإرساء المنصات التي صار المبدعون الناشئون يعتمدون عليها اليوم. وكثير من الطاقة الفنية والسينمائية التي تنبض في الدوحة اليوم يعود الفضل فيها إلى رؤية سعادتها الثاقبة.
هذا المساء، تطرح سعادتها هذه الرؤية في حوار مع فنان يتموضع في قلب المشهد الثقافي المعاصر: المغنّي وكاتب الأغاني، والفنان المقيم في جامعة جورجتاون في قطر، وصديقي، سان ليفان.
وُلد مروان عبد الحميد في القدس عام 2000، في خضم الانتفاضة الثانية، لأم فرنسية جزائرية وأب فلسطيني صربي. نشأ في غزة، ثم انتقل إلى الأردن، قبل أن يصل كاليفورنيا في سن السابعة عشرة. ومن هذه الرحلة المتقلبة، تبلور مسار فني صاعد، سريع الخطى وغني بالتجارب.
تمزج موسيقى سان ليفان بين الألحان العربية وموسيقى الـR&B والهيب هوب، مستلهمةً تأثيرات تمتد من فيروز إلى خالد، وينتقل فيها بسلاسة بين العربية والفرنسية والإنجليزية، كأن كل لغة تمثّل نغمة مختلفة على البيانو ذاته.
ويجسّد عمله حساسية جيل نشأ بين أكثر من مكان؛ فلسطينيّ الهوية، عالميّ الطموح، يحمل حنينًا إلى الماضي ويتطلّع إلى المستقبل في آنٍ واحد. بالنسبة لي، هو نسمة هواء منعشة—دليل على أن الظروف يمكن أن تكون منبعًا للإبداع، لا قيدًا عليه.
لا تقتصر موهبة سان ليفان على الإبداع الفني فحسب، بل تمتد إلى إدارته الذكية لمنصته. فهو يضع الفلسطينيين في صميم عمله، وفي ظل الدمار المستمر في غزة، يوظّف المنصة العالمية التي أُتيحت له ليروي قصصهم بشجاعة وينقل معاناتهم، وصولًا إلى جمهور شاب يصعب بلوغه عبر المؤتمرات أو التصريحات وحدها.
وخارج دائرة الضوء، شارك سان ليفان في تأسيس مبادرات لدعم المبدعين وروّاد الأعمال الفلسطينيين، مؤكدًا أن الفنانين قادرون على إحداث التغيير، سواء من خلال خيالهم أو عبر بناء المؤسسات.
قد يبدو للوهلة الأولى أن سعادة الشيخة المياسة وسان ليفان ينتميان إلى عالمين مختلفين، غير أن خيطًا مشتركًا يجمع بينهما: الإيمان بأن الفن والثقافة قادران على فتح الأبواب، وردم الفجوات، وتوسيع آفاق التراث.
إنه لمن دواعي سروري البالغ أن يكونا هنا معاً، حيث تُنير سعادتها سماء الثقافة التي يرسم تحتها النجم الصاعد سان ليفان مساره المتألق. أرجو منكم الانضمام إليّ في الترحيب بسعادة الشيخة المياسة وسان ليفان.
الشيخة المياسة: شكرًا لك. لقد كانت مقدمة جميلة. وكما قلت، الفن والثقافة يجمعاننا كلنا هنا.
سان ليفان: قبل أن نبدأ، أود أن أروي قصة لقائنا—قصة أعتزّ بها كثيرًا. في العام الماضي، وخلال جولة أوروبية، تواصلت معي سعادتها. ولأنني طالما كنت أكنّ تقديرًا كبيرًا لمسيرتها، لذا طلبت أن نتحدث عبر الهاتف.
الشيخة المياسة: ظننتُ في البداية أنه قد يرغب في القدوم لتقديم عرض فني في قطر، لكنه كان يسعى إلى فهم كيفية بناء استراتيجية ثقافية في فلسطين، رغبةً في ردّ الجميل لوطنه. وقد رأيت في ذلك هدفًا نبيلًا، وكان مفاجئًا بالنسبة لي في الوقت نفسه.
سان ليفان: سألت: "ماذا أفعل إذا أردتُ بناء منظومة ثقافية في فلسطين؟" أول ما نصحتني به كان أن أرسم خريطة لأصحاب المصلحة الموجودين بالفعل، وثانيًا، السؤال عن احتياجات الناس الفعلية.
بعد ذلك، قمنا بإجراء دراسة جدوى حول المنظومة الإبداعية الفلسطينية. استغرقت الدراسة أربعة أشهر، وقدّمتها لك في متحف اللوفر بباريس.
الشيخة المياسة: لقد أُعجبتُ كثيراً بتفانيه وجديته، حتى إنني قلت في نفسي: "سيحقق هذا الشاب نجاحاً باهراً. فهو ليس مجرد فنان ومغنٍ، بل هو قادر على إلهام مبدعين آخرين". أود أن أعرف إن كانت تجربتك في جامعة جورجتاون في قطر قد أضافت قيمةً إلى تلك الدراسة؟
سان ليفان: كان الأسبوع الذي أمضيته في جامعة جورجتاون رائعًا. عندما أكون منغمسًا في تأليف الموسيقى، لا أجد الوقت للجلوس وتحليل نفسي ودوري. سألني أحد الطلاب: "ما شعورك وأنت تؤثر في جيل كامل؟" الواقع أنني لا أعرف كيف يكون هذا الشعور، فأنا هنا أصنع الموسيقى فقط. لذا كان من الجميل أن أفكر مليًا فيما أفعله، وما يبنيه العميد المصري وأعضاء هيئة التدريس هنا.
لديّ أيضًا بعض الأسئلة لك. عندما بدأتِ العمل على الاستراتيجية الوطنية للثقافة في قطر، هل فعلتِ ذلك بمفردك أم ضمن فريق؟ بالنسبة للكثيرين، تبدو الاستراتيجية الوطنية فكرة مجرّدة جدًا.
الشيخة المياسة: هذه ليست رؤيتي أو استراتيجيتي الوطنية وحدي، بل هي استراتيجية وطنية تشكّل جزءًا من "رؤية قطر الوطنية 2030". عندما التحقت بالجامعة، كنت أطمح لأن أصبح وزيرة خارجية لبلادي، وبعد تخرّجي بدأت العمل في مكتب والدي، ثم في وزارة الخارجية.
كنا نستعد لدورة الألعاب الآسيوية [عام 2006] وافتتاح متحف الفن الإسلامي، ومع حدوث تغيير في القيادة، وجدت نفسي أقود هذا المشروع. في البداية، شعرت بشيء من خيبة الأمل، وقلت: "لماذا أدير المتاحف؟ لا أريد إدارة متحف، أريد أن أكون وزيرة الخارجية"!
ثم التقيت بالمعماريَّين آي. إم. باي وجان ميشيل ويلموت، وحينها تعززت قناعتي بأهمية الثقافة، ومدى ضرورة الاستثمار في الفنون والتعليم والمساحات الثقافية لتحقيق رؤية بلادي. فإذا أردت أن تُحدث مشاريعُك أثرًا حقيقيًا في المشهد الثقافي، فلا بد أن تكون وثيقة الصلة بالمجتمع المحلي، وأن تنبع من داخله، إذ لا يمكن استيرادها جاهزة.
استغرقنا عامًا كاملًا للتفكير في حديقة متحف الفن الإسلامي [المجاورة للمتحف] وكيفية دمج عناصرها، وافتُتحت عام 2008. وخلال تلك الفترة، أُنشئت هيئة متاحف قطر—التي نحتفل اليوم بمرور عشرين عامًا على تأسيسها—وبدأنا في وضع استراتيجية تمتد على 25 عامًا، تتماشى مع "رؤية قطر الوطنية 2030".
دعنا نتحدث عنك قليلًا. كيف انتقلت من دراسة العلوم السياسية إلى عالم الموسيقى؟
سان ليفان: حظيتُ بفرصة الدراسة الجامعية في أميركا، حيث تخصصتُ في العلوم السياسية والعلاقات الدولية. ثم بدأتُ بإدارة شركة ناشئة. كنتُ أطمح إلى ربط المستثمرين الأجانب برواد الأعمال المقيمين في فلسطين للمساهمة في بناء بيئة تكنولوجية محلية.
شاركت في جلسات مع البنك الدولي، لكنني قلت لنفسي: "أنا في التاسعة عشرة—يمكنني العودة إلى هذا لاحقًا، أما الآن فعليّ أن أبدأ بالموسيقى". فقد كان واضحًا لي منذ البداية أنني أريد أن أكون مغنّيًا.
"أخبرني بعض أنجح الأشخاص الذين التقيتُ بهم أن سرّ النجاح يكمن في إحاطة نفسك بالشباب".
الشيخة المياسة
الشيخة المياسة: ما حققتَه لافت بالفعل. فالحلم والشغف عنصران أساسيان، وقد أخبرني بعض أنجح الأشخاص الذين التقيتُ بهم أن سرّ النجاح يكمن في إحاطة نفسك بالشباب.
سان ليفان: بالعودة إلى موضوع بناء الاستراتيجيات الوطنية، ما مدى أهمية بناء الاستراتيجية الوطنية بمشاركة الأشخاص الذين يعيشون في قطر؟
الشيخة المياسة: هذا سؤال مهم. كما ذكرتُ، وجدت نفسي في منصب لم أتقدّم له، وأنا أحب التحديات. وكان من المثير أن أبدأ بمحاولة فهم المشهد الثقافي. كانت طموحات والدي في جهة، والقدرات البشرية المتاحة آنذاك في جهة أخرى، وكانت هناك فجوة كان علينا تحليلها وردمها.
واليوم، وبعد عشرين عامًا، يسعدني أن أقول: إن لدينا فريقًا استثنائيًا في المتاحف، يضم خبرات متخصصة في مجالات متعددة. وقد أسهم ذلك في دعم نمو الشركات الصغيرة والمتوسطة وتعزيز دور القطاع الخاص. حرصنا على استقطاب أفضل الكفاءات، بغضّ النظر عن مصدرها—من أميركا أو أوروبا أو آسيا أو أفريقيا. فالسؤال الأهم هو: ما الذي نحتاجه، وكيف نمضي قدمًا؟
وفي النهاية، إذا كنت تعمل من أجل وطنك، فعليك أن تسأل: ماذا يحتاج وطني؟ وكيف يمكن لما أقوم به أن يسهم في نموه محليًا ودوليًا؟
اليوم، رسّخت قطر حضورها على الساحة العالمية. ورغم صِغر حجمها، أصبحت أكثر فاعلية بفضل استراتيجية واضحة. وأرى أن على كل دولة أن تطوّر استراتيجيتها الخاصة.
سان ليفان: كيف تتعاملين مع مسألة التردد؟ أحياناً أكون متردداً جداً، وأشعر أن هذا التردد يقيّدني.
الشيخة المياسة: في الحياة، تدرك أنك لا تستطيع إرضاء الجميع. وعليك أن تفعل ما هو الأفضل لبلدك وللمسؤولية التي تتولاها. وفي كثير من الأحيان، أعتمد في قراراتي بعد الدراسة على الحدس.
ومن المهم أن يتذكّر الشباب الثقة بحدسهم؛ فنحن كثيرًا ما ننشغل بهواتفنا وأجهزتنا، ويُبعدنا هذا العالم الرقمي عن مشاعرنا الحقيقية. نحن نعمل وفق استراتيجية طويلة المدى، ويحيط بي فريق متميّز، وغالبًا ما نتخذ قراراتنا بروح من التوافق.
أود أن أسألك عن طفولتك – عن أحلامك آنذاك، وأحلامك اليوم.
سان ليفان: لطالما كان لدي شغف بالموسيقى – وما منعني من السعي وراءه هو خوفي من آراء الآخرين. لم تكن هناك نماذج لشخص من فلسطين أو الأردن حقق حضورًا عالميًا بالطريقة التي كنت أتصور نفسي أصل إليها.
دائمًا ما أقول: إذا كان لديك ما تطمح إليه، فعليك أن تسعى لتحقيقه يوميًا. إذا فعلت ذلك لفترة كافية، فستكون أقرب إلى هدفك مما كنت عليه في البداية.
الشيخة المياسة: أتفق معك. هذا يعيدنا إلى أهمية وجود استراتيجية طويلة المدى ورؤية واضحة. لقد كانت لديك رؤية، وكان لديك حدس، وكنت تعرف إلى أين تمضي.
سان ليفان: أدركتُ أنني إذا التزمتُ بذلك وواصلتُ العمل عليه يومًا بعد يوم، فسأتمكن من تحقيقه. وأعتقد أن الاستراتيجية الوطنية تعمل بالطريقة نفسها.
الشيخة المياسة: لهذا، من المهم أن تدرك غايتك مما تقوم به، وأن يكون لك هدف واضح ورسالة، تترك من خلالها أثرًا حقيقيًا في مجتمعك.
أود أن أتحدث عن مؤسستك "2048". من أين جاء هذا الاسم؟
سان ليفان: يصادف عام 2048 الذكرى المئوية للنكبة، حين سُلبت فلسطين منا. خلال دراستي الجامعية، قرأت كتابًا بعنوان "فلسطين +100: قصص من قرن بعد النكبة"، وهو مجموعة من القصص القصيرة لاثني عشر كاتبًا فلسطينيًا مختلفًا، تدور أحداثها في عام 2048. إنه كتاب سوداوي للغاية وقد أحزنني. وبما أنني أعيش في الشتات ولست مضطرًا للعيش تحت نير الاحتلال، أمتلك حرية التفكير فيما قد تبدو عليه فلسطين في عام 2048، فيما لو تحررت.
أحلم بمستقبلٍ يركض فيه أطفالنا في شوارع غزة وعلى شواطئها كما كنت أفعل. أؤمن بمستقبلٍ يصبح فيه الاقتصاد الإبداعي في فلسطين من أكبر الاقتصادات في العالم. لا أرى أي سبب يمنعنا من تحقيق ما حققتموه هنا.
الشيخة المياسة: يسعدني أنك بدأت بطرح هذه الأسئلة في مجتمع جامعة جورجتاون. وأتطلع حقًا إلى رؤية أين ستقودك هذه الرحلة، وسأكون فخورة بأن أكون جزءًا منها. وأؤمن بأن القوة الحقيقية تكمن في المجتمع.
سان ليفان: يهمني جداً أن أعرف كيف تتأكدين، بصفتك قائدة للحركة الثقافية في قطر، من أنك على وفاق مع بقية الأجندات الاقتصادية والسياسية.
الشيخة المياسة: لدينا إطار ترسمه "رؤية قطر الوطنية 2030"، لكن جزءًا كبيرًا من العمل يعتمد أيضًا على المبادرة الفردية وبناء العلاقات. من المهم أن يتحلّى الإنسان بالفضول وأن يطرح الأسئلة. كما أن التنسيق بين مختلف القطاعات ضروري—ليس على مستوى الحكومة فحسب، بل مع القطاع الخاص أيضًا.
ويتطلّب ذلك قدرًا كبيرًا من الانفتاح: أن تكون مدركًا لاستراتيجيتك، مع الحفاظ على المرونة والاستعداد لاقتناص الفرص. فعندما تلوح فرصة، عليك أن تبادر إليها، فقد لا تتكرر.
ما يقدّمه مروان قد يبدو سهلًا، لكنه في الحقيقة ثمرة عمل يومي دؤوب. وإذا كنت شغوفًا بما تفعل ومؤمنًا بنفسك، فسيؤمن بك الآخرون أيضًا.
صورة الغلاف: مروان عبد الحميد، المعروف باسم سان ليفان، بعدسة حسين مارديني لمجلة ڤوغ.