سحر الثقافة
تأملٌ في الثقافة بوصفها جسراً يربط بين الإنسان والفكرة والمكان، احتفاءً بعشرين عاماً من مسيرة متاحف قطر.
تبحث مجلة (Q+A) السبل التي تُشكّل بها الثقافة رؤيتنا لأنفسنا وللآخرين. ومن خلال الفنّ والتصميم والأزياء والتراث، تعكس القصص الواردة في صفحاتها قدرة الإبداع على مدّ جسور التواصل بين الناس، وفتح آفاقٍ جديدة للتفكير في العالم من حولنا.
تتجلى روح التبادل هذه بأبلغ صورها من خلال السرديات الثقافية على الساحة العالمية. وضمن هذا الإطار يأخذنا العدد إلى بينالي البندقية، أحد أكثر الفعاليات العالمية تأثيرًا في الفن المعاصر، حيث تواصل قطر توسيع إسهامها في الحوار الثقافي. ومع تطلّعنا نحو المستقبل، سيصبح حضور قطر في البندقية دائمًا مع افتتاح الجناح القطري الجديد، من تصميم مكتب لينا غطمة للهندسة المعمارية. سيكون الجناح القطري ثالثَ جناحٍ وطني جديد يُضاف إلى حدائق "الجيارديني" خلال أكثر من خمسين عامًا، موفرًا منصة دائمة لأصوات قطر ومنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وجنوب آسيا على الساحة العالمية. ومع ترقّب هذا التطور المثير، ستقدّم قطر تكليفًا فنيًا جديدًا للفنان التايلاندي ريكريت تيرفانيا، بالتعاون مع صوفيا الماريا، وطارق عطوي، وعالية فريد، وفادي قطان، وذلك في الدورة الحادية والستين من البينالي التي تُفتتح في 9 مايو. ويعكس هذا المشروع إيمانا بأن الحوار الثقافي يتجاوز الحدود، وأن الإبداع يزدهر حين تنتقل الأفكار وتتطور.
يواكب هذا العدد محطةً بارزةً أخرى: عقدان من مسيرة متاحف قطر. فمنذ تأسيسها عام 2005، انطلقت متاحف قطر بإيمانٍ راسخ بأن الثقافة ليست كيانًا منفصلًا عن المجتمع، بل خيطٌ حيٌّ في نسيج حياتنا الوطنية بكل تفاصيلها. إن متاحفنا، ومعارضنا، واستوديوهاتنا، ومراكزنا الإبداعية، ليست مجرد أماكن، بل فضاءاتٌ نكتشف فيها ذواتنا، ونستحضر جذورنا، ونرسم ملامح المستقبل الذي نطمح إلى صوغه.
وكما أشارت الشيخة الميّاسة في كلمة ألقتها مؤخراً في متحف قطر الوطني احتفاءً بنصف قرنٍ من إنجازات الوطن تحت راية "أمّة التطور"، فإن هذه المؤسسات لم تُنشأ لتكون صروحاً جامدة، بل فضاءات حيّة تنبض بالخيال والحوار، متجذّرة في تراثها، ومنفتحة على العالم. واليوم، بات هذا الدور أكثر أهمية؛ فالثقافة تذكّرنا بما يجمعنا من قيمٍ إنسانية: الأمل، والإبداع، والسعي الدائم إلى الانتماء.
تتجلّى هذه الروح في غلاف هذا العدد، الذي صممته عائشة السويدي، مديرة "ليوان: استديوهات ومختبرات التصميم". العمل مشبع بعطرها "ملاذ الروح"، ويستلهم فكرته من المشهد الطبيعي والذاكرة والانتماء، ليقدّم تأملاً حسّيًا في المكان.
ونوجّه اهتمامنا كذلك نحو "ليوان: استديوهات ومختبرات التصميم"، الصرح الإبداعي الذي يقع في مبنى مدرسة للفتيات تعود إلى منتصف القرن الماضي، والذي رُمم بعناية في قلب الدوحة، ونما ليصبح منظومة إبداعية متكاملة، تلعب دورًا محوريًا في تشكيل ثقافة التصميم في قطر.
يلقي هذا العدد الضوء أيضًا على جائزة "فاشن ترست العربية"، التي تُواصل رعاية ودعم المواهب التصميمية الصاعدة وتعزيز حضورها في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وجنوب آسيا. واليوم، في نسختها الثامنة، أصبحت الجائزة منصةً للمصممين الذين تتجذّر أعمالهم في تقاليد المنطقة وهويتها الثقافية، مع قدرة على مخاطبة الجمهور العالمي. وفي تقريرنا الخاص بالموضة- الذي التقط صوَرَه الفنان موس لمرابط في الدوحة - نقدّم باقةً منتقاة من إبداعات الجيل الجديد من الفائزين؛ تنبض أعمالهم بعمقٍ إبداعيٍ متألق، يزدهر في منطقتنا ويتجاوز حدودها.
تعكس القصص الواردة في هذه الصفحات، مجتمعةً، صورة أمةٍ صاغها تراثُها وأحياها نبض شعبها؛ أمة مدفوعة بإيمان راسخ بأن الإبداع قادرٌ على إشعال شرارة الوعي وصناعة التغيير.