- فن
- ربيع/صيف 2026
- مايو
في رحاب الناس
ماذا يحدث عندما يغادر الفن جدران المتحف؟ في قطر، يعيد برنامج طموح للفن العام رسم علاقة الناس بالمدينة وبيئتها الطبيعية.
النص: جيسيكا كلينغلفوس
عدسة: إيوان بان
- فن
- ربيع/صيف 2026
- April
في رحاب الناس
ماذا يحدث عندما يغادر الفن جدران المتحف؟ في قطر، يعيد برنامج طموح للفن العام رسم علاقة الناس بالمدينة وبيئتها الطبيعية.
النص: جيسيكا كلينغلفوس
عدسة: إيوان بان
في الطريق إلى قرية زكريت، يبدأ العالم في التخفف من ثقله. تتلاشى أبراج الدوحة الزجاجية وحركة المرور في الأفق البعيد، مع انحسار حضور العمران، وتبدأ الصحراء في فرض مقياسها: صخور شاحبة كالعظم، وسماء بشمس ساطعة، وأفق يبدو قريبًا ومستعصيًا في آن واحد. وفجأة، يظهر الفولاذ. أربع صفائح ضخمة تقف كحرّاس من عالم آخر في المشهد، هندستها صارمة لكنها منفتحة بهدوء على السهل الحصوي المحيط.
هذا العمل، للفنان الأمريكي الراحل ريتشارد سيرا، لا يُكتشف صدفة، بل يتطلب قرارًا ورحلة إلى محمية بروق الطبيعية، التي تبعد نحو أربعين ميلًا عن الدوحة. ومع ذلك، ما إن تصل، حتى تتكشف تجربة حميمة على نحو غير متوقَّع: إحساس بالسير بين معالم تبدو وكأنها تقيس الصحراء، وفي الوقت نفسه تُقاس بها.
بالنسبة للشيخة ريم آل ثاني، نائب الرئيس التنفيذي بالوكالة للمعارض والفن العام في متاحف قطر، تُمثّل منحوتة "شرق-غرب/غرب-شرق" (2014) واحدة من "لحظتين مفصليتين" أسهمتا في إطلاق برنامج الفن العام. أما الأخرى، فتقع في الدوحة أمام مستشفى سدرة للطب، حيث أثار عمل "الرحلة المعجزة" للفنان البريطاني داميان هيرست نقاشًا واسعًا منذ الكشف عنه عام 2013 حول معنى النحت وموقعه في الفضاء العام. وتشير الشيخة ريم إلى أن "العمل يستلهم الكيفية التي وُصف بها خلقُ الإنسان في القرآن الكريم"، ويتكوّن من أربع عشرة منحوتة برونزية كبيرة تتتبّع مراحل تكوّن الجنين من التخصيب حتى الولادة.
أما تكليف سيرا، فقد أسهم في إعادة تعريف الصحراء بوصفها فضاءً يمكن للجمهور أن يختبره. ففي أوائل العقد الثاني من الألفية، كان الوصول إلى الصحراء يزداد تعقيدًا مع تشديد إجراءات الحماية البيئية، وتزايد الغموض حول ما هو عام وما هو خاص. وقد اختير موقع بروق بعناية، بقيادة سعادة الشيخة المياسة بنت حمد بن خليفة آل ثاني، لكونه بيئة محمية "حيث تلتقي الصحراء بالماء"، ذات أهمية طبيعية وتاريخية. وتوضح الشيخة ريم أن العمل أسهم في ترسيخ مفهوم الفضاء العام، قائلة: "أردنا أن يدرك الناس أن هناك مكانًا عامًا يمكنهم الذهاب إليه والاستمتاع به".
تجسّد هذه التجربة إحدى أبرز مفارقات برنامج الفن العام في قطر: بين أعمال تتطلب الوصول إليها، وأخرى تلاقيك في مسار حياتك اليومية. وتكتسب هذه المفارقة أهميتها من كون الفن العام أداة لصناعة المكان، تسهم في تشكيل فهمنا للفضاء العام وكيفية استخدامه وتذكّره.
"الإبهام"، 2019، للنحات الفرنسي سيزار بالداتشيني، منحوتة على شكل إبهام ضخم، في سوق واقف.
في أحد طرفي هذا الطيف، تظهر أعمال واضحة في مواقع عالية الحركة، مثل عمل "الدب المصباح" للفنان السويسري أورس فيشر في مطار حمد الدولي. وفي الطرف الآخر، أعمال تتطلب البحث والاكتشاف. وبينهما، أعمال تحوّل المسارات اليومية إلى تجارب ذات كثافة دلالية. ففي عمل "جبال الدوحة" (2022) للفنان أوغو روندينوني، تصطف تكوينات صخرية تأملية على الساحل، تجمع بين النحت المعاصر والشواهد الطقسية، وتمنح أطراف المدينة حضورًا أكثر قصدية.
الفن العام هنا ليس ثابتًا دائمًا. ففي وقت سابق من هذا العام، قدّم الفنان التايلاندي ريركريت تيرافانيجا عرضًا أدائيًا لصناعة الخبز في حديقة متحف الفن الإسلامي، دعا فيه طهاة محليين ودوليين للمشاركة. ويقول: "العمل يهدف إلى أن يكون فضاءً للالتقاء والتفاعل، أملاً في جمع المجتمعات التي تستخدم الحديقة". ومن المتوقع أن يعود المشروع لاحقًا هذا العام بصيغة جديدة.
ويمتد برنامج الفن العام إلى مواقع متعددة، من تدخل أولافور إلياسون في الصحراء "سفر الظلال في بحر النهار" (2022)، إلى عمل "الإبهام" للنحات الفرنسي سيزار بالداتشيني في سوق واقف، إلى جانب أعمال لفنانين قطريين مثل شعاع علي وعائشة ناصر السويدي.
"1361"، 1999، للفنان البريطاني مارتن كريد – منصوبة أمام فندق شيراتون جراند الدوحة.
وترى الشيخة ريم أن جذور الفن العام في قطر تعود إلى ما قبل التوسع الثقافي المعاصر، إلى الدوّارات.
فتقول: "ظهر الفن العام في أواخر السبعينيات وأوائل الثمانينيات، حين كُلّف المعماريون المحليون بتصميم مجسمات مستوحاة من رموز ثقافية مثل الدلّة أو الأقواس". وقد شكّلت هذه العناصر شكلًا مبكرًا من الفن العام، مدمجًا في البنية التحتية ومألوفًا في الحياة اليومية، مما أوجد استمرارية في الذاكرة البصرية.
ومع تحوّل المدينة، اتسع مفهوم الفن العام. فقد أعادت مشاريع البنية التحتية تشكيل أنماط الحركة، بالتوازي مع تجدد الاهتمام بالترميم العمراني. ولم يعد السؤال مقتصرًا على ما يُبنى، بل على كيفية تفاعل الناس معه. ويتجلى ذلك في عمل "1361" لمارتن كريد، حيث يتعامل الجمهور معه كأنه مسؤول عنه، فيتواصل مع المتحف عند تعطل أحد أجزائه.
في أقوى تجلياته، لا يكون الفن العام عنصرًا مضافًا، بل وسيلة لترسيخ المعنى في الفضاء المشترك، وإثراء التجربة اليومية.
بلغ هذا التوجه ذروته قبيل بطولة كأس العالم FIFA قطر 2022، حين استُخدم الحدث كمنصة لإعادة التفكير في الفضاء العام. فقد كُشف عن أكثر من أربعين عملًا جديدًا وُزّعت على مسارات الحركة، ليصبح الفن جزءًا من التجربة اليومية، لا وجهة منفصلة.
"In Gods We Trust"، أُنجز عام 2023، جدارية ثلاثية الأبعاد، في نيويورك، للفنانة المكسيكية مينيرفا كويفاس التي تعمل أيضاً على إنتاج عمل جديد في محطة مترو متحف قطر الوطني.
جينيفيف هانسون، بإذن من الفنان ومعرض كوريمانزوتو، مكسيكو سيتي/نيويورك.
ومن بين هذه المشاريع، نشأ عمل "مفاتيح الذكريات" (2025) من إعادة توظيف 250 ألف سلسلة مفاتيح، صُمّم كمسار مظلّل قرب مترو لوسيل. وقد غيّر العمل سلوك المستخدمين، إذ باتوا يمرون عبره عمدًا، ما جعله أقرب إلى عنصر بنيوي في المدينة.
وتوضح الشيخة ريم أن العمل الفني يكتسب معناه الكامل حين يدخل في حياة الناس اليومية. فالأثر لا يُقاس لحظة إنجازه، بل بقدرته على التفاعل والتأثير.
كان تركيب ريتشارد سيرا "شرق-غرب/غرب-شرق"، 2014، واحدةً من "لحظتين مضيئتين" أشعلتا برنامج الفن العام في متاحف قطر. الصورة: © 2026 حقوق ريتشارد سيرا/DACS.
"شهدت قطر بدايات الفنِّ العامِّ، في أواخر السبعينيات وأوائل الثمانينيات... وعند الحديث عن الفنِّ العامِّ، أعود دائماً إلى تلك اللحظة الأولى".
الشيخة ريم آل ثاني
ومع دخول العمل حيّز الاستخدام، يصبح الجمهور فاعلًا أساسيًا فيه. وتشير الشيخة ريم إلى أن هذا الإحساس بالملكية ناتج عن تخطيط مقصود، يراعي دلالات العمل وعلاقته بالمكان.
وتتجه المرحلة المقبلة نحو مشاريع 2026، المرتبطة بمبادرات مثل العام الثقافي بين قطر وكندا والمكسيك، و"رباعية قطر". ومن بينها أعمال لمينيرفا كويفاس وجيتيش كالات، الذي يربط عمله بموقع قطر ضمن طرق التجارة التاريخية في المحيط الهندي.
يتكون عمل "الرحلة المعجزة" (2018)، للفنان داميان هيرست، من سلسلة من 14 منحوتة برونزية ضخمة، تتتبّع مراحل تخلّق الإنسان من لحظة الإخصاب وحتى الولادة. © 2026 داميان هيرست وScience Ltd.
"يُقاس أثر العمل بقدرته على التفاعل مع الجمهور، وحينها فقط، يبدأ في أن يحيا فعليًّا… ويعيد تشكيل سلوك من يمرُّون به".
الشيخة ريم آل ثاني
تكشف هذه المشاريع عن برنامج يركّز على السياق أكثر من العمل ذاته: موقعه، طريقة الوصول إليه، والإيقاع الذي يفرضه. فالقيمة لا تكمن في الحجم وحده، بل في التجربة التي يخلقها.
والطموح هو بناء منظومة للفن العام يمكن العيش معها والعودة إليها، لا مجرد أعمال منفصلة، عبر استمرارية الإنتاج والرعاية، وتعميق التفاعل مع المجتمع، بما يواكب التحولات الثقافية في قطر.