"ما بين البَينَين؟"

يطرح معرضٌ -يحتضنه متحف مجلس الإعلام في الدوحة- سؤالاً محوريًّا: ماذا تعني "مستقبلية الخليج"، للفنانين في المنطقة؟

بقلم: فرانشيسكا بيري

في 2012 صاغت الفنانة القطرية صوفيا الماريا مصطلح "مستقبلية الخليج"؛ للتعبير عن الأفكار المرتبطة بالتحديث والتطور السريع الذي تشهده مدن في الشرق الأوسط، مثل الدوحة ودبي. وسَعَت -من خلال هذا المفهوم- إلى إبراز التوترات الكامنة، خلف السرديات العالمية عن دول الخليج: بين الثروة النفطية والتفاوت الاجتماعي، والتوسع العمراني وتداعياته البيئية، وإرث البداوة وكثافة التطور التكنولوجي.

ومن هذا المفهوم -بما ينطوي عليه من تناقضات- انطلقت فكرة المعرض الجديد الذي نظّمه متحف مجلس الإعلام التابع لجامعة نورثويسترن في الدوحة. يحمل المعرض عنوان "ما بين البَينَين؟"، ويجمع 21 فنانًا، من منطقة الخليج، في مساحة تتيح التأمل في مفهوم "مستقبلية الخليج"، واستكشاف تنوّع التجارب التي تشكِّل واقعَ الحياة في الشرق الأوسط اليوم.

يصفه قيّم المعرض جاك توماس تايلور، بأنه حالة "معلّقة" تقف عند تخوم التقاليد والحداثة المفرطة، بين الماضي والمستقبل.

يقول: "أردنا أن نلتقط ذلك الإحساس بعدم اليقين تجاه ما يحمله الغد، بوصفه مدخلًا يستجيب له الفنانون".

وقد أسهم هذا التفاعل النقدي مع مفهوم "مستقبلية الخليج" في إبراز صعوبة تحديد معنًى واحد لهذا المصطلح، يضيف: "إذ تتعدّد دلالاته بتعدُّد متأمليه، وتتفاوت درجات "البَينيّة".

A close-up of a weathered mechanical device with a large circular lens, surrounded by curved metal rods, set against an orange, hazy sky. Similar structures in the background evoke a surreal, industrial scene reminiscent of gulf futurism.
صورة مُكبَّرة من عمل الفيديو "A Time for Everything" ، أُنجز عام 2026، للفنانة الكويتية أسيل اليعقوب.

تعكس الأعمال المعروضة هذا الاتساعَ في التأويل والتخيل، عند استحضار الماضي والحاضر والمستقبل في الخليج. ومن بين هذه الأعمال تُقدّم الفنانة السعودية سارة أبو عبد الله عملاً يمزج بين التصوير الفوتوغرافي والمنسوجات، في بطّانية تحمل صورة دُمًى قماشية مكدّسة؛ في تجسيد لنهجها المتعدّد الوسائط، في توثيق واستكشاف البُنى الاجتماعية والثقافية في المملكة العربية السعودية المعاصرة.

الفنّان الفلسطيني السعودي أيمن يسري ديدبان، الذي تسعى ممارسته الفنية إلى تفكيك سرديات الهوية، يقدّم عملَه "Distortion"، الذي اُنجزه عام 2011، وهي منحوتة من الفولاذ المقاوم للصدأ تجسّد علمًا مشوَّهًا. يقدّم الفنان القطري طارق درويش أعمالًا تجريدية نابضة بالحركة، تستكشف ثنائية المصطنع والطبيعي، والنظام والفوضى، وتطرح تساؤلات حول كيفية إدراكنا للجمال.

في فيلم "In Vitro"، المُنتج عام 2019، للفنانة الفلسطينية لاريسا صنصور، يُتخيَّل مشهدٌ طبيعي في أعقاب كارثة بيئية، حيث ينمو بستان داخل مفاعل نووي مهجور. قدّمت الفنانة العُمانية-البحرينية الشابة إيمان علي تركيبًا فنّيًا غامرًا بعنوان "The Right to Wonder"، أنجزته عام 2026، تستكشف من خلاله الدور الثقافي للملح.

يرى القيّم جاك توماس تايلور أن الملح يشكّل استعارة بنيوية للمعرض. ويقول: "يمكن للجميع الارتباط بمعنى الملح". فهذه المادة يمكن أن تمثّل الهشاشة، والهيمنة، والتجارة، والغذاء، والرغبة، والنفور.

وتحضر في المعرض رواية "مدن الملح" (1984) لعبد الرحمن منيف، حيث تتتبّع تحوّلات شبه الجزيرة العربية بعد اكتشاف النفط، مما أدى إلى ما يسميه "مدن الملح" — مدنًا قابلة للذوبان والانهيار.

ويضيف تايلور: "يمكن أن يحمل الملح معاني متعددة؛ فهو مادة يمكن أن تحفظ أو تُسبّب التآكل".

Neon green Arabic script glows on a dark brick wall, channeling gulf futurism with its vibrant, forward-thinking energy.
"Arabi/Gharbi"، أُنجز عام 2016، تركيب ضوئي من النيون، يومض كل حين، للفنان السعودي ناصر السالم. في الصفحة المقابلة

يرافق المعرض كتاب يجمع أبحاثًا حول "مستقبلية الخليج" من خلال مقالات أصلية، وحوارات، وتأملات نقدية، بمساهمات من بينها القطرية صوفيا الماريا. ويقول ألفريدو كراميروتي، مدير متحف مجلس الإعلام: "بصفتنا متحفًا جامعيًا، ننجز قدرًا كبيرًا من البحث لكل معرض — فهذا جزء من مهمتنا الأساسية". ورغم أن جمهور الجامعة يشكّل نقطة الانطلاق، فإن المعرض والكتاب موجهان إلى جمهور أوسع.

ولا يقتصر المعرض على إعادة إنتاج الصور النمطية المرتبطة بـ"مستقبلية الخليج" — "ناطحات سحاب لامعة في الصحراء" كما يصفها كراميروتي — بل يدعو إلى مساءلة نقدية، في وقت يتسم بتزايد الاستقطاب. ويقول تايلور: "يشعر الناس غالبًا أنهم لا يستطيعون خوض نقاش أو حوار بحريّة". غير أن المعرض يوفّر فضاءً للاستكشاف، حيث يصبح الفن وسيلة للتفاعل مع هذه القضايا.

ويضيف تايلور، المقيم في الدوحة: "أعتقد أن "البَينيّة" هي حالة يضطر الجميع إلى التعامل معها يوميًا في الخليج. ذلك الإحساس الغريب بحالة التعليق هو في الواقع جزء من حياتنا". وعند سؤاله عمّا يكمن في هذه المساحة البينية، يجيب: "لسنا بصدد تقديم إجابة. نريد أن يغادر الناس وهم يحملون مزيدًا من الأسئلة".

"ما بين البينين؟" يستمر عرضه في متحف مجلس الإعلام، جامعة نورثويسترن في الدوحة، حتى 14 مايو 2026.

صورة الغلاف: صورة الغلاف: "Distortion 11"، أُنجز عام 2011، للفنان أيمن يسري ديدبان، الفنان الفلسطيني السعودي الذي تنشغل أعماله بتفكيك مفاهيم الهوية الوطنية.

متابعة القراءة

تأملٌ في الثقافة بوصفها جسراً يربط بين الإنسان والفكرة والمكان، احتفاءً بعشرين عاماً من مسيرة متاحف قطر.

متابعة القراءة

زيارة إلى استوديو لينا غطمة في باريس، مهندسة الجناح القطري المرتقب في حدائق الجيارديني التاريخية في البندقية.

متابعة القراءة

احتفاء بالفائزين بجائزة "فاشن ترست العربية" 2025 وحوار مع مؤسِّسة الجائزة، تانيا فارس.

متابعة القراءة

تتناول سعادة الشيخة المياسة إرث فرانكا سوزاني مع ابنها فرانشيسكو كاروتسيني وآنا وينتور

متابعة القراءة

نظرة مستقبلية على مجمع وزارة الخارجية في الدوحة، من تصميم المهندسة المعمارية المكسيكية فريدا إسكوبيدو.

متابعة القراءة

جسّد معرض آرت بازل قطر مشهداً إبداعياً متنامياً يزداد حضوراً وتأثيراً.

متابعة القراءة

يتأمل الفنان التايلاندي ريكريت تيرافانيا في معنى صناعة الفن ضمن عالم هشّ، مستكشفًا عمق علاقته المتنامية مع قطر

متابعة القراءة

تتحاور سعادة الشيخة المياسة والموسيقي سان ليفان حول الدبلوماسية الثقافية، والمشهد الإبداعي الفلسطيني، ورؤية قطر الوطنية 2030.

متابعة القراءة

احتفاء بالفائزين بجائزة "فاشن ترست العربية" 2025 وحوار مع مؤسِّسة الجائزة، تانيا فارس.

متابعة القراءة

تتأمل الشيخة ريم آل ثاني من متاحف قطر كيف يغرس الفنُّ في الحياة اليومية في قطر.

متابعة القراءة

أسئلة جوهرية: تتناول فرح نايري الأسئلة التي ترسم ملامح الفن والتصميم والحوار الثقافي في عالم اليوم.

متابعة القراءة

تستكشف المهندسة المعمارية القطرية فاطمة السهلاوي كيف غيّر مشروع مشيرب قلب الدوحة، صُلبَ المدينة التاريخي.

متابعة القراءة

أعادت النسخة الافتتاحية من آرت بازل قطر صياغة مفهوم المعرض الفني التقليدي.

متابعة القراءة

يقود ريكريت تيرفانيا فريقاً إبداعياً تشاركياً لتحويل موقع الجناح القطري الدائم المستقبلي إلى ما يشبه غرفة معيشة حيّة لبينالي البندقية – تتضمّن عروضاً أدائية وأفلامًا، وتجربة طعام مباشرة.

متابعة القراءة

صورتان مختلفتان للغاية، لكنهما متساويتان في الإبهار، من مقتنيات متاحف قطر.

متابعة القراءة

تتحدث تانيا فارس، الشريكة المؤسسة لفاشن ترست العربية، عن رعاية المواهب، وبناء الشبكات العالمية، وصياغة ملامح جيل جديد من المصممين.

متابعة القراءة

تصوير بصري للمدينة من منظور المصممة القطرية شيخة السليطي.

متابعة القراءة

داخل "ليوان استديوهات ومختبرات التصميم"، وهي مدرسة سابقة للفتيات، أُعيد تصميمها لتصبح مركزًا نابضًا لمجتمع الإبداع القطري.

متابعة القراءة

أسئلة جوهرية: يتناول توم إكليس، قيِّم النسخة الافتتاحية من «رباعية قطر»، ما الذي يجعل من هذه اللحظة، التوقيت الأمثل لإطلاقها.

متابعة القراءة

معرض بارز في متحف الفن الإسلامي بالدوحة يتتبّع خمسة آلاف عام من الإبداع الأفغاني.

متابعة القراءة

كيف تحوّل متحف "لوح وقلم: متحف مقبول فدا حسين" من مخطط على الورق إلى واقع، (مع فرصة لتلوين نسختك الخاصة).

متابعة القراءة

كارولين إيدن، الكاتبة المتخصصة في شؤون الطهي، تقضي وقتًا مع الشيف القطرية نوف المري، لتكتشف رؤيتها في تقديم المطبخ القطري للعالم

متابعة القراءة

تشارك الفنانة آلاء عبد النبي تجربتها في مطافئ، الدوحة

متابعة القراءة

يشارك المصمم القطري عبد الرحمن المفتاح أهم ثلاثة مصادر إلهام له

متابعة القراءة

Issue 000 Contents

FEATURES
NEWS

Contents

Features

NEWS