- فن
- ربيع/صيف 2026
- أبريل
"ما بين البَينَين؟"
يطرح معرضٌ -يحتضنه متحف مجلس الإعلام في الدوحة- سؤالاً محوريًّا: ماذا تعني "مستقبلية الخليج"، للفنانين في المنطقة؟
بقلم: فرانشيسكا بيري
في 2012 صاغت الفنانة القطرية صوفيا الماريا مصطلح "مستقبلية الخليج"؛ للتعبير عن الأفكار المرتبطة بالتحديث والتطور السريع الذي تشهده مدن في الشرق الأوسط، مثل الدوحة ودبي. وسَعَت -من خلال هذا المفهوم- إلى إبراز التوترات الكامنة، خلف السرديات العالمية عن دول الخليج: بين الثروة النفطية والتفاوت الاجتماعي، والتوسع العمراني وتداعياته البيئية، وإرث البداوة وكثافة التطور التكنولوجي.
ومن هذا المفهوم -بما ينطوي عليه من تناقضات- انطلقت فكرة المعرض الجديد الذي نظّمه متحف مجلس الإعلام التابع لجامعة نورثويسترن في الدوحة. يحمل المعرض عنوان "ما بين البَينَين؟"، ويجمع 21 فنانًا، من منطقة الخليج، في مساحة تتيح التأمل في مفهوم "مستقبلية الخليج"، واستكشاف تنوّع التجارب التي تشكِّل واقعَ الحياة في الشرق الأوسط اليوم.
يصفه قيّم المعرض جاك توماس تايلور، بأنه حالة "معلّقة" تقف عند تخوم التقاليد والحداثة المفرطة، بين الماضي والمستقبل.
يقول: "أردنا أن نلتقط ذلك الإحساس بعدم اليقين تجاه ما يحمله الغد، بوصفه مدخلًا يستجيب له الفنانون".
وقد أسهم هذا التفاعل النقدي مع مفهوم "مستقبلية الخليج" في إبراز صعوبة تحديد معنًى واحد لهذا المصطلح، يضيف: "إذ تتعدّد دلالاته بتعدُّد متأمليه، وتتفاوت درجات "البَينيّة".
تعكس الأعمال المعروضة هذا الاتساعَ في التأويل والتخيل، عند استحضار الماضي والحاضر والمستقبل في الخليج. ومن بين هذه الأعمال تُقدّم الفنانة السعودية سارة أبو عبد الله عملاً يمزج بين التصوير الفوتوغرافي والمنسوجات، في بطّانية تحمل صورة دُمًى قماشية مكدّسة؛ في تجسيد لنهجها المتعدّد الوسائط، في توثيق واستكشاف البُنى الاجتماعية والثقافية في المملكة العربية السعودية المعاصرة.
الفنّان الفلسطيني السعودي أيمن يسري ديدبان، الذي تسعى ممارسته الفنية إلى تفكيك سرديات الهوية، يقدّم عملَه "Distortion"، الذي اُنجزه عام 2011، وهي منحوتة من الفولاذ المقاوم للصدأ تجسّد علمًا مشوَّهًا. يقدّم الفنان القطري طارق درويش أعمالًا تجريدية نابضة بالحركة، تستكشف ثنائية المصطنع والطبيعي، والنظام والفوضى، وتطرح تساؤلات حول كيفية إدراكنا للجمال.
في فيلم "In Vitro"، المُنتج عام 2019، للفنانة الفلسطينية لاريسا صنصور، يُتخيَّل مشهدٌ طبيعي في أعقاب كارثة بيئية، حيث ينمو بستان داخل مفاعل نووي مهجور. قدّمت الفنانة العُمانية-البحرينية الشابة إيمان علي تركيبًا فنّيًا غامرًا بعنوان "The Right to Wonder"، أنجزته عام 2026، تستكشف من خلاله الدور الثقافي للملح.
يرى القيّم جاك توماس تايلور أن الملح يشكّل استعارة بنيوية للمعرض. ويقول: "يمكن للجميع الارتباط بمعنى الملح". فهذه المادة يمكن أن تمثّل الهشاشة، والهيمنة، والتجارة، والغذاء، والرغبة، والنفور.
وتحضر في المعرض رواية "مدن الملح" (1984) لعبد الرحمن منيف، حيث تتتبّع تحوّلات شبه الجزيرة العربية بعد اكتشاف النفط، مما أدى إلى ما يسميه "مدن الملح" — مدنًا قابلة للذوبان والانهيار.
ويضيف تايلور: "يمكن أن يحمل الملح معاني متعددة؛ فهو مادة يمكن أن تحفظ أو تُسبّب التآكل".
يرافق المعرض كتاب يجمع أبحاثًا حول "مستقبلية الخليج" من خلال مقالات أصلية، وحوارات، وتأملات نقدية، بمساهمات من بينها القطرية صوفيا الماريا. ويقول ألفريدو كراميروتي، مدير متحف مجلس الإعلام: "بصفتنا متحفًا جامعيًا، ننجز قدرًا كبيرًا من البحث لكل معرض — فهذا جزء من مهمتنا الأساسية". ورغم أن جمهور الجامعة يشكّل نقطة الانطلاق، فإن المعرض والكتاب موجهان إلى جمهور أوسع.
ولا يقتصر المعرض على إعادة إنتاج الصور النمطية المرتبطة بـ"مستقبلية الخليج" — "ناطحات سحاب لامعة في الصحراء" كما يصفها كراميروتي — بل يدعو إلى مساءلة نقدية، في وقت يتسم بتزايد الاستقطاب. ويقول تايلور: "يشعر الناس غالبًا أنهم لا يستطيعون خوض نقاش أو حوار بحريّة". غير أن المعرض يوفّر فضاءً للاستكشاف، حيث يصبح الفن وسيلة للتفاعل مع هذه القضايا.
ويضيف تايلور، المقيم في الدوحة: "أعتقد أن "البَينيّة" هي حالة يضطر الجميع إلى التعامل معها يوميًا في الخليج. ذلك الإحساس الغريب بحالة التعليق هو في الواقع جزء من حياتنا". وعند سؤاله عمّا يكمن في هذه المساحة البينية، يجيب: "لسنا بصدد تقديم إجابة. نريد أن يغادر الناس وهم يحملون مزيدًا من الأسئلة".
"ما بين البينين؟" يستمر عرضه في متحف مجلس الإعلام، جامعة نورثويسترن في الدوحة، حتى 14 مايو 2026.