"اليائِس"
في لوحة "اليائس" (نحو 1843–1845)، يحوّل الرسام الفرنسي غوستاف كوربيه البورتريه الذاتي إلى دراما نفسية مكثّفة، مقدّمًا صورة للذات تحت الضغط.
ينبثق وجه الفنان من فضاء مظلم وضحل على قماشة صغيرة — بعينين متسعتين ويدين ممدودتين إلى جانبي رأسه — كما لو أنه في لحظة أزمة.
كان كوربيه في الرابعة والعشرين حين أنجز العمل، بعد أن رُفض في صالون باريس وكان يواجه صعوبات مالية. وقد انتقل إلى باريس لدراسة القانون، قبل أن يتخلى عنه سريعًا، عازمًا على أن يحيا ما سمّاه "حياة بوهيمية حرّة ومستقلة".
أُنجز العمل قبل أن يصبح كوربيه أحد أبرز روّاد الواقعية في فرنسا في منتصف القرن التاسع عشر، ويستند هنا إلى الطابع المسرحي المكثّف لبورتريهات المدرسة الرومانسية.
تكمن قوة اللوحة في مباشرتها؛ إذ تجذب المشاهد إلى تكوينها الضيّق ونظرتها المواجهة. وتزيد معالجة كوربيه للّون من حدّة الدراما؛ فضرَبات الفرشاة الكثيفة والملموسة تصف الشعر والبشرة والقماش، بينما تفصل التباينات اللونية العميقة الشكل عن العتمة المحيطة به.
- اقتنت متاحف قطر لوحة "اليائس" قبل نحو عقد من الزمن من أحد أحفاد رعاة الفنان غوستاف كوربيه، مقابل 50 مليون يورو.
- واللوحة معارة حاليًا لمدة خمس سنوات إلى متحف أورسيه في باريس، على أن تنضم لاحقًا إلى مجموعة "متحف مطاحن الفن" في الدوحة، المقرر افتتاحه عام 2030.
- تتميّز اللوحة بصغر حجمها (45 × 54 سم تقريبا) ما يجعل الإحساس فيها أكثر تركيزًا.
- ورغم أن كوربيه عرض العديد من صوره الذاتية خلال حياته، فإنه احتفظ بهذه اللوحة خاصة لأكثر من ثلاثين عامًا، قبل عرضها لأول مرة في المعرض العالمي بفيينا عام 1873.
- وفي العام ذاته، فرّ كوربيه إلى سويسرا هربًا من الملاحقة القضائية بسبب تورطه في الانتفاضة الفرنسية التي أخفقت عام 1871، حاملاً اللوحة معه. وقد عُرضت مجددًا عام 1877، قبل أسبوع واحد فقط من وفاته.
الأقاليم المتقاربة #31
في عمل "الأقاليم المتقاربة #31" (2003)، تعيد المصوّرة المغربية للا السيدي صياغة تقاليد البورتريه من خلال التصوير الفوتوغرافي والأداء. ويُحفظ العمل ضمن المجموعة الدائمة لـ"متحف: المتحف العربي للفن الحديث"، وهذا العمل جزء من سلسلة بارزة تتأمّل موقع المرأة العربية في المجتمع، إلى جانب تجربة الفنانة ونشأتها.
تكتب في بيانها الفني: "أدركتُ أن المضي قدمًا كفنانة كان يقتضي العودة ماديًا إلى بيت طفولتي في المغرب، وتوثيق ذلك العالم الذي غادرته جسديًا، لكنه لم يغادرني على مستوى أعمق، نفسيًا. ولكي أفهم المرأة التي أصبحتُها، كان عليّ أن ألتقي مجددًا بالطفلة التي كنتُها".
في كل "بورتريه"، تُوضَع النساء داخل فضاءات منزلية خاصة، حيث تغمر المكان والأجساد كتابات كثيفة بخط اليد. وتتسم الشخصيات بالسكون، فيما يظل سطح الصورة نابضًا بالعلامات والأنماط والنصوص، بما يعقّد أي قراءة أحادية للهوية.
ويمثّل العمل، ضمن مجموعة متاحف قطر، توسّعًا معاصرًا في مفهوم البورتريه؛ إذ تنقل للا السيدي التركيز من الموضوع بوصفه كيانًا مُشيَّأً إلى عمل — وإن لم يكن بورتريهًا ذاتيًا بالمعنى التقليدي — يقدّم تمثيلًا ذاتيًا مُشفَّرًا لهوية الفنانة.
- ينتمي هذا العمل إلى سلسلة فوتوغرافية للا السيدي تستكشف الفضاء المُحدَّد وفق النوع الاجتماعي في الثقافة المغربية التقليدية. وقد التُقطت العديد من هذه الصور في منزل بالمغرب يعود لعائلة الفنانة.
- النص العربي مستمدّ من يوميات للا السيدي، لكنه غير قابل للقراءة عمدًا، إذ يعمل كنسيج بصري لا كمحتوى مقروء، في إشارة رمزية إلى العوالم الداخلية للنساء اللواتي يغطيهن هذا النص.
- تستخدم للا السيدي مزجًا غير تقليدي بين الحنّاء المرتبطة تقليديًا بالأنوثة، والخطّ المرتبط تقليديًا بالذكورة؛ لاستكشاف أدوار النوع الاجتماعي ومساءلتها.
- تُعدّ الكتابة بالحنّاء سمة متكرّرة في أعمالها؛ إذ تُطبَّق بواسطة حقنة، وقد تستغرق العملية ما يصل إلى تسع ساعات متواصلة في الجلسة الواحدة، تتحمّلها المشاركات، وغالبًا ما يكنّ من صديقات الفنانة.
- ويحاكي تكوين العديد من أعمال السلسلة لوحات الاستشراق في القرن التاسع عشر التي صوّرت النساء العربيات كموضوعات سلبية في نظر الغرب؛ غير أنّ للا السيدي تستعير هذا الإخراج لتقلب دلالته.
- فن
- ربيع/صيف 2026
- أبريل
وجهاً لوجه
لوحات بورتريه، من مجموعات متاحف قطر، اقترنت فيها أعمال فنانَين، يفصل بينهما أكثر من قرن، لتكشف كيف ينشغل كلٌّ منهما بإبراز ملامح الهوية وجعلها مرئية.