- فن
- ربيع/صيف 2026
- أبريل
الإبداع بلا تحف
يستعد الفنان التايلاندي ريكريت تيرافانيا لتقديم عمل فني جديد لقطر في بينالي البندقية 2026. في هذا المشروع يدرس تيرافانيا تحديات الإبداع في عالمنا الهش، ويستعرض تطوّر علاقته العميقة مع قطر.
بقلم جان دالي
هذا عمل بعنوان "بلا عنوان 2025"، (لا خبز لا رماد)، 2025 وهو عمل فني تركيبي للفنان التايلاندي ريكريت تيرافانيا يستحضر سماته المميّزة التي تتلخص في أنه عملٌ مفاجئ، عملي، ومرح، يمكن قراءته كتركيب فني أو ببساطة كمكان لتناول الطعام والاسترخاء والتواصل مع الآخرين — وهي أفكار ستتجلّى أيضًا في عرض قطر في بينالي البندقية 2026 بعنوان "بلا عنوان 2026" (لقاء مع شخصيات مميزة)، 2026، وهو عمل تعاوني يجمع تيرافانيا وصوفيا الماريا وطارق عطوي وعالية فريد وفادي قطّان.
حين سُئل عن كيفية تبلور عمله "بلا عنوان 2025" (لا خبز لا رماد)، قال تيرافانيا: "أعربت سعادة الشيخة المياسة عن رغبتها في تنفيذ عملٍ يخدم العاملين هنا، وهو ما توافق تمامًا مع توجّهي. أتاح لي ذلك تطوير أداةٍ قابلة للاستخدام من قبل الجمهور. وقد شكّلت هذه التجربة مدخلي الأول للعمل في المنطقة، ضمن رؤيةٍ مستقبلية ذات أهمية بالغة. ورغم ما انطوت عليه الفكرة من تحدٍّ، فقد قوبلت بانفتاحٍ ملحوظ، واستمر هذا النهج في تعاوننا وصولًا إلى البندقية".
غالبًا ما يقول تيرافانيا إنه بدأ مشواره الفني "في وقت متأخر من حياته"، لكن الفنان، البالغ الآن 64 عامًا، كان في التاسعة عشرة حين التحق بكلية الفنون والتصميم في أونتاريو في تورونتو. "بعد المدرسة الثانوية، خططتُ لدخول مجال التصوير الصحفي. كنت أبحث عن عمل لا يُجبرني على الجلوس في مكتب". نشأ تيرافانيا في بيئة متعددة الجنسيات: وُلِد في الأرجنتين حيث كان والده دبلوماسيًا هناك، ثم انتقلت العائلة إلى إثيوبيا قبل أن يُرسل إلى مدرسة ثانوية دولية ناطقة باللغة الإنجليزية في تايلاند.
يقول: "اكتشفتُ تاريخ الفن من خلال الصحافة، وانتهى بي الأمر بالالتحاق بكلية الفنون في تورنتو؛ لأن والدي كان يعمل في أوتاوا آنذاك. ثم، بطريقة ما، وصلت إلى نيويورك".
"أصبحت المتاحف في الغرب أشبه بثلاجات تحوي تحفًا ثمينة... إنها تتجنب حاجة الناس للتفاعل مع التجربة".
ريكريت تيرافانيا
يحدثني تيرافانيا عبر تطبيق زووم من منزله في شيانغ ماي بتايلاند، وأنا متحمسة لاستكشاف جذور نهجه الفني الفريد. عمله، الذي يصفه بـ "التفاعلي"، يتحدى التصنيف. فهو يجمع بين النحت والتجربة الغامرة والتفاعل، ويُعطي الأولوية للتجربة الآنية على حساب الأشياء المادية، ويُخالف الطرق التقليدية للتفاعل مع الفن. يُعيد تيرفانيا تمثيل الأنشطة اليومية ويُبرز الروابط الإنسانية في الطقوس المنزلية البسيطة.
في عام 1990، شاهد الجمهور الفنان وهو يطبخ ويقدّم أطباقًا من المطبخ التايلاندي التقليدي في معرض باولا ألين. ومنذ ذلك الحين، أصبح استقطاب الناس من خلال الطعام سمةً مميزةً لأعماله. وغالبًا ما تترافق تجاربه، سواءً كانت متعلقة بالطعام أو غيره، بنصوص جدارية ومطبوعات ومواد فنية متنوعة. وقد أنتج نسخة طبق الأصل بالحجم الطبيعي لشقته النيويوركية في معرض سربنتين بلندن؛ وأقام مأدبة استمرت 12 ساعة في قصر غراند باليه بباريس؛ وأعاد تصميم جزء من "أسيل فلوتان" التي صممها لو كوربوزييه، وهي عبارة عن بارجة فحم خرسانية عدّلها المهندس المعماري عام 1929 لإيواء المشردين؛ كما حوّل ذات مرة قاعات عرض هيرشهورن في واشنطن إلى مساحة طعام مشتركة، ودعا فنانين محليين لرسم جدارية هناك. وقد عُرضت له عشرات الأعمال المشابهة، ذات الطابع الخيالي، في معارض فنية حول العالم.
لا يمكن التنبؤ بما سيقدّمه تيرافانيا لاحقًا، لكن كيف بدأت مسيرته؟ يستعيد بداياته قائلًا: "أثناء عملي في نيويورك، كنت دائمًا أتساءل: ماذا يعني هذا الفن للناس في بلدي؟". ويضيف: "كان الأمر يتعلق بالهوية واكتشاف الذات، ومحاولة إيجاد طريق العودة إلى الوطن. ماذا يعني أن تكون في الغرب، وكيف سيكون شعور العودة؟".
ويستشهد هنا بعدد من المؤثرين، من بينهم الموسيقي جون كيج، المعروف بتأثّره بالبوذية الزِنّية. ويقول: "مبادئ مثل الحضور الكامل في اللحظة الراهنة تنبع طبيعيًا من شخصيتي". ويضيف: "أما فيما يتعلق بكيفية نظر الغرب إلى "الآخر" —أو ما يُعرف اليوم بأفكار ما بعد الاستعمار— فأجد أنني أستطيع التأمل في ذلك من خلال ما أقدّمه".
ويرى أن الجمهور الفني الغربي "يبدأ دائمًا وينتهي عند العمل الفني ذاته"، وهو ما يرتبط، في نظره، بمفاهيم القيمة والملكية، ويؤدي إلى إغفال الجوانب الحياتية المحيطة بالعمل. ويشير إلى أن هذا التصوّر يعكس اختلافًا في أنماط العيش، موضحًا أن بعض التوجّهات الفلسفية في الثقافة التايلاندية تميل إلى البساطة وتقليل التعقيد في النظر إلى الأشياء.
تلعب اللافتات والملصقات والشعارات دورًا مهمًا في أعمال تيرافانيا؛ إذ ينظر إليها، كما يقول، بوصفها أدواتٍ ولغة: "أحب أن تكون أعمالي مفتوحة لتجربة كل من يقترب من هذه الأدوات؛ بحيث يمكن لكل شخص أن يجد طريقه الخاص للدخول أو الخروج".
قد تحمل هذه اللافتات رسالة سياسية صريحة. فعند الحديث عن عمله الفني الغامر "مليون جحر للأرانب" (2024)، يبتسم تيرفانيا ابتسامة عريضة عند ذكر العنوان. إنه مثال جيد على حسّه الفكاهي الفريد، ويبدو في الوقت نفسه إدانة صريحة لوضع الولايات المتحدة اليوم. يصوّر العمل ساحة أخشاب فوضوية، ثُبّت عليها علم ممزق ولوحة مطلية بشكل خشن كُتب عليها "TRUMP 4 PRISON"، محاطة بلافتات تقول: "السعادة ليست دائمًا ممتعة" و"نوع مختلف من العدم". ويشرح أن جحور الأرانب المذكورة في العنوان هي من صنع أيدينا، ولكنها أيضًا بمثابة تحذير: علينا أن نكون واعين للتلاعب.
"طريقة تفكيرنا تنبع من خبراتنا وحياتنا وبيئتنا… ودائمًا أحرص على أن أشكك فيها".
ريكريت تيرافانيا
وعندما سُئل عما إذا كان ينبغي اعتبار هذا العمل فنًا سياسيًا مناهضًا للسلطوية، تهرّب ببراعة من السؤال، قائلاً إنه يفضل التفكير من منظور المؤسسات. يقول: "كل شخص منا مؤسسي بطريقته الخاصة. طريقة تفكيرنا تنبع من خبراتنا وحياتنا وبيئتنا. تلك المؤسسات هي أشياء نتمسك بها لفهم أنفسنا. أنا دائمًا أحرص على أن أشكك فيها، على الأقل بيني وبين نفسي. وآمل أن يكون ذلك نحو عالم أفضل وأكثر ترابطًا".
تثير هذه المقاربة تساؤلات حول دور المؤسسات الفنية الراسخة والمتاحف التقليدية في عالم اليوم – ولا يُبدي تيرافانيا اهتمامًا يُذكر بمتاحف الفن الغربية التقليدية. ويقول: "أصبحت المتاحف في الغرب أشبه بثلاجات تحوي تحفًا ثمينة، فهي أقرب إلى مخازن للقيمة منها إلى مكتبات للمعرفة. إنها تتجنب حاجة الناس للتفاعل مع التجربة".
لا يزال تيرفانيا يحتفظ بشقته في نيويورك، حيث يدرّس بجامعة كولومبيا كأستاذ للممارسة المهنية ضمن برنامج الماجستير في الفنون الجميلة (MFA). ويقول بابتسامة مراوغة: "أدرّس فصلًا جامعيًا، كان يُعرف سابقًا بفصل "النحت المتقدم" لكن بالنسبة لي، النحت المتقدم يعني ألا تفعل شيئًا – لذا كان من الأجدر تسمية الفصل "كيف لا تفعل شيئًا". ويضيف: "بالطبع اعترضوا على هذا الاسم، نظرًا لارتفاع المصاريف الدراسية التي يدفعها الطلاب، فصار اسم الفصل "الإبداع بلا تحف". إنه أقرب إلى فصلٍ للتفكير والنقاش. لا يتعلق الأمر بإنتاج الفن، بل بكيفية عيش اللحظة المعاصرة، وتجربة أكبر قدر ممكن منها. لا ينبغي أن ندع الفن يعيقنا عن فعل أي شيء".
تمنيت لو أستطيع حضور فصل تيرفانيا، لكن حان الوقت للحديث عن البندقية ومشاركة تيرفانيا في بينالي 2026 في موقع الجناح القطري الجديد المرتقب من تصميم مكتب لينا غطمة للهندسة المعمارية (صفحة 68). يُعدّ إنشاء الجناح في حدائق "الجيارديني" إنجازًا مذهلاً. فبعد افتتاح الجناح الكوري عام 1995، تم الإعلان بأن الحديقة قد امتلأت، ومع ذلك يبدو أن قطر استطاعت أن تحقق ما بدا مستحيلاً. علمًا بأن علاقة تيرفانيا بالبندقية قديمة.
يقول: "قبل سنوات، دعاني القيّم السويسري هارالد سيزمان للمشاركة في بينالي البندقية، واقترحت إنشاء الجناح الملكي التايلاندي الأول. في تلك الفترة وجدت شجرة ساج عمرها خمس سنوات، فقمت بزراعتها في حدائق الجيارديني—والغريب أنني زرعتها حينذاك في نفس الموقع الذي سيُقام فيه جناح قطر اليوم، بجوار المكتبة. بنيتُ منصة صغيرة حول الشجرة للعروض، وكانت فكرتي ببساطة أن تظل الشجرة متجذرة في الحديقة. لكن بعد انتهاء الفعالية، اقتلعوا الشجرة. وهذا يبيّن لك مدى حساسية هذا المكان فيما يتعلق بالحدود والأرض والدبلوماسية".
عمل فني "بلا عنوان 2025"، (لا خبز لا رماد)، هو عمل تركيبي موجود في حديقة متحف الفن الإسلامي، الدوحة. الصورة: بإذن من الفنان.
حسنًا إذن، كيف يتفاعل تيرفانيا مع الفكرة القائلة بأن بينالي البندقية، بما يحمله من دلالات قومية، يمثل مقاربةً قد تبدو تقليدية للفن؟ يجيب بتأنٍ: "لقد سعى المديرون في السنوات الأخيرة إلى توسيع الأفق وتخفيف النزعة القومية – فالمدينة بأسرها، في الحقيقة، تصبح بينالي. أما قطر، فتنظر إليه بوصفه تمثيلاً إقليمياً أكثر منه وطنياً. ويتمثّل دوري في تهيئة المنصّة: نحن نعمل على جعلها فضاءً ثقافيًا أرحَب، لا مجرد حيّز للتمثيل الوطني. لا نقدم الفن فحسب، بل الموسيقى والطعام أيضًا – إنها مائدةٌ عامرة بنكهات شتى؛ بروائح المنطقة وأصواتها. سأهيئ الأجواء وأستدعي الآخرين للمشاركة".
ينظر تيرفانيا إلى مشروع البندقية، وإلى عمله الفني "بلا عنوان 2025"، (لا خبز لا رماد) على أنهما هيكلان مؤقتان لا بيانان ثابتان. وهو يصف مشروع البندقية بأنه "مشروع مؤقت متنقل"، يضمّ طيفاً من الفنانين الآخرين من المنطقة، على أن يتحدّد مستقبله وفقاً لكيفية استخدامه والتفاعل معه – وهي مقاربة تعكس أفران الخبز في الدوحة. فما يبدأ تركيباً مؤقّتاً يمكن، عبر الاستعمال والتفاعل العام، أن يكتسب قابلية التحوّل إلى صيغة أكثر ديمومة.
يعكس تفاعل عمله مع محيطه وجمهوره، رؤية تيرفانيا للعالم. ويقول متأمّلًا: "في عالم اليوم، لا أحد يعلم إلى أين قد تمضي الطوافة. إنها لحظة حرجة—أنا الآن في تايلاند وأتساءل: ما الجدوى من الذهاب إلى أي مكان آخر؟"
ومع ذلك، سنراه حاضراً في البندقية لحضور البينالي في مايو، حيث ستبعث طاقته الفريدة الحياة في فضاء مؤقّت مخصص لقطر، ريثما يكتمل الجناح القطري الدائم الذي صمّمته لينا غطمة. هناك، يمكننا أن نتوقّع رؤية تيرفانيا في قلب مشروع أدائي، تشاركي ومرن، مثير للدهشة دائماً.
الصورة: بعدسة ريان لوري.