- العمارة
- ربيع/صيف 2026
- أبريل
هندسة الانتماء
من محترفها في باريس، تستعرض لينا غطمة رؤيتها لجناح قطر الدائم في البندقية، مستندةً إلى الذاكرة والمكان وإيمانها بقدرة العمارة على توحيد الناس.
تصوير: بريجيت لاكومب
بقلم: ماندي كيغران
كلفت متاحف قطر المهندسة المعمارية اللبنانية لينا غطمة بتصميم جناح وطني دائم في بينالي البندقية، هو أول جناح يُضاف إلى حدائق الجيارديني منذ ثلاثة عقود، والأول الذي تصممه مهندسة أنثى. ومع انطلاق الدورة الحادية والستين للمعرض الدولي للفنون، يعلن هذا المشروع بداية فصل جديد للعالم العربي على أحد أهم مسارح الفن المعاصر.
في قلب كل معرض يوجد ما يسمى بـ "الجيارديني"، وهي حديقة ذات مناظر طبيعية خلابة تقع شرق المدينة وتضم 29 جناحاً وطنياً بالإضافة إلى الجناح المركزي الكبير، ويمثل كل جناح معلَمًا معماريًا يُبرز حضور دولة ما. عند افتتاح المعرض الدولي الحادي والستين للفنون في مايو، سيجد الزوار اسمًا جديدًا على خريطة "الجيارديني": قطر. يُمثل هذا المشروع المرتقب إنجازاً هاماً ليس فقط لدولة قطر، بل للعالم العربي كله، في أحد أكثر المواقع رمزية في العمارة المعاصرة.
"إنها لحظة في غاية الأهمية"، تقول غطمة، مؤسِسة مكتب لينا غطمة للهندسة المعمارية (LGA) "الأمر يتعلق بإيصال صوت قطر والعالم العربي إلى حدائق الجيارديني، ذلك المكان الذي تُحتضن فيه الفنون والعمارة وأشكال الإبداع المختلفة في كل بينالي. من المهم جداً أن يكون هناك تنوّع وتمثيل في هذا السياق".
تُضفي غطمة على المشروع فهماً شخصياً عميقاً للذاكرة والمكان والتعبير الثقافي. وُلدت لينا وترعرعت في بيروت، وعاشت فترات الصراعات المدمّرة وإعادة الإعمار في المدينة — وهي تجربة ألهمت اهتمامها المبكر بالبيئة المعمارية، ولا تزال تؤثر في نهجها المعماري حتى اليوم. وتقول: "إن النشوء في مدينة مزّقتها الحروب يخلق في داخلك رغبة في الشفاء والترميم، وفي إعادة الجمال إلى البيئة المحيطة بك". وتضيف: "العيش في لحظات النزاع جعلني أفكر أيضاً في الدور الذي تلعبه العمارة في جمع الناس معاً. إنها وسيلة لإعادة بناء العلاقة بين البشر ومحيطهم".
"إن النشوء في مدينة مزّقتها الحروب يخلق في داخلك رغبة في الشفاء، والترميم، وفي إعادة الجمال إلى البيئة المحيطة بك".
لينا غطمة
تمتدّ جذور بيروت إلى أكثر من خمسة آلاف عام، ويشكّل هذا التاريخ العريق مرجعًا أساسيًا في أعمال غطمة. فمن خلال استلهامها لهذه الطبقات التاريخية—التي تتجلّى في مواقع المدينة الأثرية—تنشغل أعمالها باستكشاف ما يصوغ المكان اجتماعيًا وتاريخيًا وماديًا، وكيف يمكن التعبير عن ذلك بأسلوب يحافظ على صلته بالحاضر.
رافقتها هذه الرؤية إلى باريس، التي انتقلت إليها بعد تلقيها دعوة من المعماري الفرنسي الشهير جان نوفيل للعمل على أحد المشاريع في بيروت. وبعد انتقالها بفترة قصيرة، شاركت في مسابقة معمارية لتصميم المتحف الوطني الإستوني وفازت بها، ما دفعها إلى تأسيس مكتبها المعماري الخاص. تقول: "القدر هو من قادني إلى باريس. إنها بيئة تتيح لك أن تنظر إلى الأمور من زاوية مختلفة، وأن تتأمل تراثك برؤية جديدة. هناك حسٌ مرهف بالتاريخ والتراث والجمال في فرنسا، وهو أمر حاضر بقوة هنا، ويختلف كثيراً عن مفهوم الجمال في لبنان".
في مقترح غطمة للمتحف البريطاني في لندن، ستُغطى الجدران بمادة من المخلفات المستخرجة من محاجر بورتلاند، بما يوحي بالحفر والتنقيب الأثري.
ورغم تردد غطمة في تحديد ماهية الأسلوب العربي المعاصر، والذي تعبّر عنه بالقول: "ما زلنا نعيش لحظة تُطرح فيها أسئلة عن الهوية وإعادة صياغتها" – إلا أن الملامح الراسخة في التراث المعماري للمنطقة تشكّل مصدر إلهام واضح في عملها. تستشهد بأعمال المعماري المصري الشهير حسن فتحي (1900–1989)، الذي كان من أبرز الداعين إلى استخدام تقنيات البناء المحلية، كما تتحدث بشغف عن قدرة العمارة العربية التقليدية على تقديم حلول واقعية لقضايا العصر، من تغيّر المناخ إلى الاستدامة البيئية وندرة الموارد. ولعل الجانب الأهم في عمل غطمة هو الطريقة التي توظف بها العمارة لتعزيز روح التآلف واللقاء داخل المساحات التي تصممها. تقول: "أؤمن بأن العمارة يجب أن تخلق فضاءات للضيافة، تحتضن الناس وتشعرهم بالانتماء. وهذا بُعدٌ متجذّر بعمق في العمارة العربية". هذا الإحساس العميق بالترحاب هو ما يشكّل الأساس الذي انطلقت منه في تصميم جناح قطر.
وقد أتت هذه المهمةُ ثمرةً لمسابقة أطلقتها متاحف قطر. كانت غطمة من بين تسعة معماريين دُعوا للمشاركة في ورش عمل وزيارات ميدانية للموقع. وفي نهاية المسابقة، اختارت لجنة التحكيم – برئاسة المعماري الهولندي الشهير ريم كولهاس – مقترح لينا للفوز، لما تميز به من وضوح فكري وتجذّر ثقافي.
وبما أن أعمال البناء في الجناح لم تبدأ بعد، فقد تم إنشاء مشروعين مؤقتين لمتاحف قطر في الموقع المجاور لـ "جناح الكتاب"، الذي صممه جيمس ستيرلنغ في قلب حدائق "الجيارديني".
خلال الدورة التاسعة عشرة لمعرض العمارة الدولي عام 2025، استضاف المعرض عملاً فنياً للمهندسة المعمارية الباكستانية ياسمين لاري. حمل المشروع عنوان "المركز المجتمعي" (Community Centre)، وشكّل أول مشاركة رسمية لدولة قطر في بينالي العمارة، ضمن برنامج أوسع أطلقته متاحف قطر بعنوان «بيتي بيتك». بُني الهيكل المقبب الذي صممته لاري بالكامل من الخيزران، وقدّم تصوراً حول دور الحِرفة والمجتمع والضيافة بوصفها عناصر أساسية متجذّرة في العمارة التقليدية لمناطق الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وجنوب آسيا.
في الدورة الحادية والستين من المعرض الدولي للفن، الذي يفتتح في 9 مايو، يستضيف الجناح عملًا اسمه «بلا عنوان» (لقاء مع شخصيات مميزة)، 2026، وهو مشروع للفنانين ريكريت تيرافانيا، صوفيا الماريا، طارق عطوي، وعلياء فريد، بالتعاون مع الشيف والمؤلف الفلسطيني فادي قطان.
يُمهد هذان العملان الفنيان للمواضيع التي تتناولها غطمة في تصميم جناح قطر بطريقة شاعرية. وتقول: "كان التحدي يتمثل في ابتكار جناح يُجسّد قطر بصدق، دون الوقوع في الكليشيهات أو تقديم صورة مختزلة للهوية. كان لا بد أن ينقل شيئاً متجذراً بعمق في الثقافة القطرية، وفي الوقت نفسه يعكس نقطة التقاء بين قطر والبندقية".
انطلقت غطمة من دراسة معمّقة للثقافة القطرية، مستكشفةً القيم المرتبطة بالحِرف التقليدية وفلسفة الضيافة، إلى جانب إرث الغوص بحثاً عن اللؤلؤ، الذي يُعدّ ركيزة أساسية في الهوية الوطنية. وبالتوازي، تأملت في تاريخ البندقية — المدينة التي لطالما صاغتها علاقتها بالماء — وبدأت ترسم خيوطاً من التقاطعات والروابط بين هاتين الثقافتين، المختلفتين شكلاً والمتقاربتين جوهراً.
تقول غطمة عن تصميمها: "تحمل الواجهة طابعاً رأسياً وإيقاعاً بصرياً — كأن المبنى بأكمله شلّال متدفق. هذا الإيقاع يذكّر أيضاً بأنماط التشكيل الحجري التي نراها في عمارة البندقية". ويحتفي التصميم باستخدام مواد محلية تستحضر تقاليد الحِرف اليدوية في كل من قطر والبندقية، مثل النسيج، والزجاج، والحجر.
ونتيجةً لذلك، لا يقتصر دور الجناح الجديد على دعوة الجمهور لاكتشاف الثقافة القطرية، بل يقدم أيضاً منصة تفاعلية تجمع الفنانين والقيّمين والمبدعين من قطر والمنطقة في فضاء للحوار والتعاون. وتقول غطمة "أطمح لأن يشعر الزوار بأنهم موضع ترحيب في بيئة تنقلهم إلى رؤية مختلفة للعالم، وأن يغادروا وقد خاضوا تجربة ذات مغزى، شعروا فيها بروح الضيافة ودفء الانتماء إلى المكان".
الصورة الأولى: لينا غطمة ترسم تصاميم أولية لجناح قطر المرتقب.
الصورة الثانية: أول تصور بصري، لتصميم لينا غطمة، للجناح الدائم لدولة قطر، في موقع جارديني ديلا بينالي (حدائق البينالي) التاريخي، في البندقية، والذي كُشف عنه خلال بينالي البندقية، مايو 2025.
الحسّ المرهف بالسياق، الذي يميز جناح قطر بهذا الوضوح والجمال، ليس سمة عابرة في أعمال لينا غطمة، بل هو جوهر ثابت في مسيرتها المعمارية. تقول: "لكل مكان طاقته الخاصة، موارده، وتاريخه الفريد". في المتحف البريطاني بلندن، حيث تم اختيارها لإعادة تأهيل صالات الجناح الغربي، اقترحت غطمة تصميم فضاءات شاهقة تغمرها أشعة الضوء الطبيعي، تتخللها نوافذ علوية وفتحات مقوّسة تُضفي على المكان شعوراً بالاتساع والسكينة. تضم هذه القاعات قطعاً أثرية من مجموعات الشرق الأوسط وسوريا ومصر، وقد أُعيد تصورها لتشجّع الزوّار على تأمل العلاقة بين هذه القطع وسياقاتها التاريخية والمعاصرة. وتقول غطمة: "العمارة، في جوهرها، وسيلة لبلوغ فهم أعمق للتاريخ. أردنا من خلال هذا المشروع أن نمنح المتحف مساحة يتنفس فيها من جديد، وأن نعيد إليه ذلك الإحساس النادر بالدهشة — عندما تتحول المتاحف من أماكن عرض جامدة إلى تجارب حيّة، تدعو للتفكير".
في سيول بكوريا الجنوبية تعمل شركة LGA على تصميم مكتبة، وفي توياما باليابان تشرف على إنشاء مرصد، وكلا المشروعين يهدف إلى تعزيز التفاعل المجتمعي وفتح المساحات العامة أمام الناس. أما في نورماندي فرنسا، فقد أنجز مكتب غطمة مؤخراً ورشة عمل منخفضة الكربون ومُنتجة للطاقة لصالح دار الأزياء الفاخرة هيرمس. تقول غطمة: "كان المشروع احتفاءً بالعمل اليدوي — استخدمنا فيه تراب الموقع، والبناء المستدام، وهو إعلاءٌ للقيمة الحِرفية الأصيلة".
وفي تطور حديث، أُعلن في سبتمبر عن اختيارها لتصميم متحف "إرث الجَديديين" في مدينة بخارى، بأوزبكستان — صُمّم المتحف ليروي قصة حركة الجديديين - وهي جماعة إصلاحية ظهرت في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين في جميع أنحاء آسيا الوسطى - وهو عبارة عن إعادة تصميم لمنزل من القرن التاسع عشر كان في السابق منزلاً لأول رئيس لجمهورية بخارى الشعبية.
"أعتقد أن العالم اليوم في أمسّ الحاجة إلى الجمال — إلى لحظات تُقرّب بيننا، وتمنحنا فرصة لبناء السلام".
لينا غطمة
تتنوّع أشكال مشاريع لينا غطمة من حيث التصميم والمظهر، لكنها جميعاً تنطلق من جذور واحدة: الانتباه العميق للمكان، وصدق العلاقة مع المواد، والبحث عن المعنى — وهي المبادئ ذاتها التي يقوم عليها جناح قطر المرتقب. بالنسبة للينا غطمة، فإن جوهر العمارة يكمن في قدرتها على أن تكون جسراً يصل بين الثقافات، وأداة لحفظ الذاكرة، وفي الوقت نفسه، بوابة تُفتح على احتمالات المستقبل.
وتقول: "ما يلهمني أكثر من أي شيء آخر في مزاولة مهنة العمارة هو العمل عبر ثقافات متعددة، وقدرة هذا الفن على ربط البشر، وجلب الجمال إلى حياتهم. أعتقد أن العالم اليوم في أمسّ الحاجة إلى الجمال — إلى لحظات تُقرّب بيننا، وتمنحنا فرصة لبناء السلام". ●
صورة الغلاف: عندما أُعلن عن غطمة مهندسةً للجناح القطري في البندقية، قالت سعادة الشيخة المياسة في بيان: "تُلهم أعمال غطمة جمهورًا جديدًا وتقليديًا بحساسيتها للحالة الإنسانية، وأسلوبها الواثق المبتكر".