الفنان الغامر
نُشر في: يناير 2026
"متاحف قطر" و"متحف كيران نادار للفنون" يقدمان رحلة عبر حياة وأعمال "م. ف. حسين"، الأب الروحي للفن الحديث في الهند.
النص: آريش سردار
مشاهد من معرض: "جذور وعصور" في البندقية. الصورة: © متحف كيران نادار للفنون
الفنان الغامر
"متاحف قطر" و"متحف كيران نادار للفنون" يقدمان رحلة عبر حياة وأعمال "م. ف. حسين"، الأب الروحي للفن الحديث في الهند.
النص: آريش سردار
مقبول فدا حسين، المعروف باسم" م. ف. حسين"، أحد أشهر الشخصيات وأكثرها إثارة للجدل في الفن الهندي الحديث، وهو موضوع معرض فني جديد ومبتكر في الدوحة .صممه وأشرف عليه "متحف كيران نادار للفنون (KNMA) "في "نيودلهي"، الذي يضم مجموعة كبيرة من أعمال" حسين"، ويتخذ المعرض شكل تجربة غامرة متعددة الحواس.
وُلد "م. ف. حسين" عام 1913 في "باندهربور"، قرية هندوسية تقع في ولاية "ماهاراشترا" بغرب الهند، ونشأ بعيداً عن أجواء الفن الحضري. فقَدَ والدته في سن مبكرة، وترعرع في بيئة متواضعة، حيث بدأ حياته المهنية بكسب لقمة العيش من خلال رسم إعلانات السينما، وصناعة ألعاب خشبية للأطفال، وتصميم أثاث خاص بهم. وفي أثناء ذلك، طوّر أسلوباً فنياً فريداً تميز بخطوطه الجريئة، وألوانه الزاهية، وطابعه الحركي النابض بالحياة، أثناء رسمه في شوارع "إندور" و"مومباي".
كان "م. ف. حسين" من الأعضاء المؤسسين لمجموعة "فناني بومباي التقدميين" عام 1947 – وهو عام استقلال الهند – والتي سعت إلى ابتكار فن جديد يعكس روح الأمة الناشئة. لكن أعمالهم كانت تتحدى الأعراف السائدة في الأوساط الفنية الهندية آنذاك، مما أدى إلى تهميشهم واستبعادهم. ورغم تنظيمهم لعدد من المعارض المستقلة، إلا أن المجموعة تفككت بحلول عام 1950.
الصورة: مجموعة نظام الدين دارغاه – م. ف. حسين © بارثيف شاه
جمع "م. ف. حسين" بين الأساليب الفنية المعاصرة والرموز البصرية الهندية الشعبية، بما في ذلك تصوير الآلهة الهندوسية. ورغم نشأته كمسلم، كان من أشد المدافعين عن الهوية الدينية المتعددة للهند، وقد عبّر عن ذلك في عمل فني حمل اسم "ثيوراما" – لوحة تصوّر تسعة من الديانات الكبرى في العالم، إلى جانب ديانة ابتكرها بنفسه. اشتهر "حسين" بجولاته "حافي القدمين عبر البلاد" – وهي عبارة أصبحت لاحقاً عنواناً لدراسة رائدة عن أعماله نُشرت عام 2010 – حيث كان يستمتع باللقاءات العفوية ويختزن مشاهد من الحياة اليومية في الريف والمدينة لاستخدامها لاحقاً في فنه.
لكن في منتصف التسعينيات، دخلت حياته مرحلة عصيبة بعد أن أثارت لوحاته التي صوّر فيها إلهات هندوسيات عاريات غضب جهات قومية متطرفة. تعرّض منزله للتخريب، وواجه سيلاً من الدعاوى القضائية، وتلقى تهديدات بالقتل. وفي 2006، اضطر إلى مغادرة الهند رغماً عنه. وفي 2010، منحته دولة قطر جنسيتها، في خطوة نادرة خفّفت من مرارة ابتعاده عن وطنه. تقول "روبينا كارودي"، مديرة ومشرفة "متحف كيران نادار للفنون" (KNMA): "لا يمكن تجاهل هذا الفصل من تاريخه، لكن لا ينبغي اختزاله في دور الضحية. لقد ظل صامداً، وحمل معه إلى الدوحة الأساطير الهندية، والتقاليد الشعبية، وذكريات الوطن. أصبح المنفى فصلاً جديداً في رحلته المتنقلة".
نفَّذ "م. ف. حسين" أحد آخر المشاريع الكبرى التي أُوكلت إليه – قبل وفاته في عام 2011 – بطلبٍ من صاحبة السمو الشيخة موزا بنت ناصر، وتَمثّلَ هذا المشروع في رؤية شاملة لحضارة العرب، تضمنت سلسلة لوحات مستلهمة من أسماء الله الحسنى التسعة والتسعين، إلى جانب عمل تركيبي فني دائم وتجريبي بعنوان: "سيروا في الأرض"، يحتل اليوم مبنى مخصصاً له في المدينة التعليمية بالدوحة.
ومنذ المراحل الأولى للإعداد، رأت "روبينا كارودي" أن حياة "حسين" الحافلة بالتقلبات لا تليق بها حدود معرض تقليدي. وقررت أن تركيباً بصرياً غامراً بالرسوم المتحركة سيكون أكثر قدرة على تجسيد الموضوعات المتكررة في حياته وأعماله. وبالنسبة لفنان مثل "حسين"، شكّلت هذه الطريقة نموذجاً مثالياً للتعبير، نظراً لولعه العميق والمستمر بالسينما، والصوت، والحركة. فقد كتب وأخرج عدة أفلام، من أبرزها فيلم صامت نال جوائز بعنوان: "من خلال عيون رسام"، صوّر فيه مشاهد من ولاية "راجستان"، وأُنتج عام 1967.
مشاهد من معرض :"جذور وعصور" في البندقية، يحتفي بحياة "م .ف .حسين " من خلال فيلم غامر مُكوّن من مقتطفات من أعماله الفنية. الصورة: © متحف كيران نادار للفنون
"في الدوحة، حمل مقبول فدا حسين إرثه من الأساطير الهندية، والفلكلور الشعبي، والذكريات. وتحوّل المنفى إلى فصل جديد في مسيرته التي اتّسمت بالترحال".
روبينـا كارودي
طوّر "استوديو فيزيوني" في روما (الذي سبق أن قدّم معارض غامرة ناجحة مستوحاة من أعمال "فان غوخ" و"فيرمير") عرضَ: "جذور وعصور"، وهو سلسلة من العناصر المتحركة مدتها 40 دقيقة – راقصون، خيول، آلهة، موسيقيون، فلاحون – مستوحاة من لوحات "حسين" ورسوماته، والتي تستحضر رحلة الفنان الطويلة من فقر الريف إلى الشهرة العالمية. تقول "روبينا كارودي": "يمكن بسهولة تخيّل حسين نفسه، وقد غمره الحماس، يجرّب ويستكشف، مستمتعاً بتداخل الضوء والحركة والصوت، وكأن كل إسقاط ضوئي هو امتداد لخياله المبدع وروحه الفضولية".
يُقدَّم المعرض لأول مرة في "بينالي البندقية" عام 2024 (بعد 70 عاماً من أول مشاركة لـ "حسين" عام 1954)، ووصفته مجلة "آرت ريفيو" بأنه: "تجربة مُتقنة الصنع، تتخللها لحظات آسرة تخطف الأنفاس". في نسخة "البندقية"، قُدّم العرض الغامر إلى جانب مجموعة مختارة من لوحات الفنان. أما في "الدوحة" فيقتصر العرض على التجربة البصرية الغامرة وحدها، دون عرض لوحات أصلية، لكن خصوصيته تنبع من العلاقة العميقة التي ربطت "حسين" بقطر. تقول "كيران نادار"، مؤسِّسة ورئيسة مجلس إدارة (KNMA): "كانت الدوحة تحمل لحسين دلالات شخصية وفنية بالغة العمق، ما يجعل هذا العرض ذا مغزى استثنائي. إنه مشروع يُعزز الحوار الثقافي بين الهند وقطر، ويحفظ إرثاً فنياً يُلهم الأجيال المقبلة".
ولأولئك الذين لم يسبق لهم التعرّف على أعمال "م. ف. حسين"، يُقدم معرض: "جذور وعصور" مدخلاً جذاباً إلى عالمه الإبداعي. أما بالنسبة لمحبّيه القدامى، فهو فرصة لإعادة اكتشاف الفنان في صيغة تتجاوز اللوحات الصامتة المعلّقة على الجدران، مقدّماً تجربة حركية نابضة بالحياة تُجسّد بصدق عالم "حسين" الغني بالحيوية والتنوع.
الأعلى: مشاهد من معرض: "جذور وعصور" في البندقية. الصورة: © متحف كيران نادار للفنون