رؤية ملحمية
نُشر في: يناير 2026
سيتولى وائل شوقي، أحد أشهر الفنانين المعاصرين في العالم، الإشراف على النسخة الافتتاحية المرتقبة من معرض "آرت بازل قطر".
في صيف هذا العام، قدّم الفنان المصري وائل شوقي تأويله الخاص لأسطورة الخلق في الميثولوجيا اليونانية القديمة، ضمن عرضه الفني في مؤسسة لوما بمدينة آرل الفرنسية بعنوان "أنا تراتيل المعابد الجديدة" (مستمر حتى 2 نوفمبر). ويُعرف شوقي بإعادة صياغته للأحداث التاريخية بأسلوب بصري ملحمي، كما في ثلاثية أفلامه الشهيرة كباريه الحروب الصليبية (2010-2015).
وعلى مستوى أكثر حميمية، تناول في ثلاثيته "العّرابة المدفونة" (2012–2016) العلاقة المعقدة بين سكان إحدى القرى وموقع أبيدوس الأثري القريب في صعيد مصر، مستخدماً ممثلين أطفالاً لأداء أدوار الكبار، ما أضفى طابعاً رمزياً على العمل. وفي بينالي البندقية الستين عام 2024، مثّل شوقي مصر بفيلم جديد بعنوان "دراما 1882"، استعاد فيه أحداث ثورة أحمد عرابي ضد الحكم الملكي والنفوذ البريطاني، مواصلاً مشروعه الفني في تفكيك السرديات التاريخية وإعادة تأويلها من منظور معاصر.
لكن، إلى جانب استكشافاته المتعمقة للماضي، يتمتع وائل شوقي برؤية راسخة نحو المستقبل، لا سيما فيما يتعلق بالفن والإبداع. وإيماناً منه بأهمية التعليم الفني، وسعياً لتجاوز القصور في المؤسسات الأكاديمية التقليدية في مصر، قام بتحويل محترفه في مدينته الإسكندرية إلى منصة تعليمية مستقلة حملت اسم "ماس الإسكندرية"، حيث استضاف فنانين ومنسقين دوليين لتقديم محاضرات وورش عمل، في محاولة لبناء مجتمع فني نقدي حرّ.
وفي عام 2024، تولّى شوقي منصب المدير الفني لـ "مطافئ: مقرّ الفنانين" الدوحة، وهي مساحة مخصصة للفن المعاصر، تُعنى بتوفير برامج إقامة تهدف إلى تطوير المسارات المهنية للفنانين الناشئين من قطر والعالم. وفي يوليو من هذا العام، عُيّن مديراً فنياً لمعرض "آرت بازل قطر".
س: تربطك علاقة طويلة بقطر تعود إلى أكثر من عشرة أعوام، وتحديداً إلى معرضك "الحروب الصليبية وقصص أخرى" الذي أقيم في متحف: المتحف العربي للفن الحديث عام 2015. هل يمكننا اعتبار ذلك بداية هذه العلاقة؟
وائل شوقي: نعم، وقد تعاونت مع متاحف قطر أيضاً في إنتاج الجزء الثالث من سلسلتي حول الحروب الصليبية، "أسرار كربلاء"، حيث شاركت في إنتاج الفيلم، وعُرض في متحف خلال فترة المعرض. في تلك المرحلة، بدأت حواراً مع عبد الله كرّوم، مدير المتحف آنذاك. لطالما راودني حلم إنجاز فيلم عن تاريخ منطقة الخليج، لكنني كنت أدرك أن ذلك يتطلب تعمقاً معرفياً ولقاء باحثين ومؤرخين يمكنهم إغناء رؤيتي حول الموضوع. وبالفعل، وفّر لي عبد الله استوديو في مطافئ عام 2017، وبدأت أتنقل بين الدوحة ومدن أخرى. لكن مع وصول الجائحة، توقّف كل شيء فجأة. بعدها انشغلت بتحضير عملي لمعرض بينالي البندقية. وعندما أنهيت ذلك المشروع، شعرت أن الوقت قد حان للعودة إلى فكرة فيلم الخليج، فبدأت أرتّب للعودة إلى الدوحة. وفي تلك الفترة، طُرح عليّ تولّي منصب المدير الفني لمطافئ.
برنامج الإقامة الفنية هو جوهر عمل مطافئ، وهو مستمر منذ أكثر من عشر سنوات، موفّراً فضاءً للعمل، وتوجيهاً، ودعماً للفنانين الصاعدين – وهو ما يشبه المدرسة التي أنشأتها في الإسكندرية. من أين يأتي التزامك بالتعليم؟
درست في كلية الفنون الجميلة بجامعة الإسكندرية، وشهدت بنفسي مشكلات نظام التعليم. كان تعليمي أكاديمياً بحتاً، لا صلة له بعالم الفن الحقيقي. كان هناك نحو ألف خريج كل عام – ألف فنان – لكنك تنظر من حولك فلا تجد صالات عرض محترفة في الإسكندرية، ولا مشهداً فنياً. لذلك بدأت مشهداً فنياً في مرسمي. دعوت 30 طالباً من الإسكندرية للعمل هناك، وفي نهاية العام نظمنا معرضاً. في السنة الثانية جاءنا طلاب من القاهرة، وفي السنة الثالثة جاء مشاركون من الصين والمملكة المتحدة ودول أخرى.
كيف تم تمويل المدرسة؟
الحمد لله، كنت فناناً ناجحاً بالفعل، لذا كنت أموّل المشروع من جيبي الخاص. كما كنت أسافر كثيراً وأتمتع بعلاقات قوية مع أشخاص رائعين ومؤثرين. على سبيل المثال، عندما دُعيت للمشاركة في معرض دوكومنتا 13 [معرض الفن المعاصر الألماني] في ألمانيا عام 2012، طلبت من كارولين كريستوف- باكارغيف، المديرة الفنية للمعرض، دعوة طلابي إلى كاسل وتمكنوا من حضور جميع المحاضرات. كما نظمت دوكومنتا أيضاً أسبوعين من الندوات في مدرستي بالإسكندرية. وقد فعلت الشيء نفسه مع الشيخة حور القاسمي قيّمة بينالي الشارقة. كانت هذه أجمل تجربة تعليمية ممكنة.
هل يمكن اعتبار دورك في مطافئ امتداداً للعمل الذي كنت تقوم به في الإسكندرية؟
الدوحة أكبر بكثير، وهي تركز على المنطقة بأكملها. للبرنامج القادم، تلقينا أكثر من ألف طلب من مختلف أنحاء العالم، ولكن للأسف لا يمكننا قبول أكثر من 23 طلباً. في العام المقبل، سنحوّل برنامج الإقامة بالكامل إلى برنامج تعليمي يشبه إلى حد كبير "ماس الإسكندرية"، حيث سنستضيف قيّمين وفنانين وفلاسفة ومعماريين من جميع أنحاء العالم لتقديم التعليم للطلاب. كل أسبوع سيزور شخص جديد الاستوديوهات ويعقد ندوات وورش عمل. لم يعد البرنامج مجرد إقامة فنية، بل أصبح مدرسة حقيقية.
كيف يتم اختيار الطلاب؟
في مصر، كنت أجري مقابلات شخصية مع جميع المتقدمين، بغض النظر عن عددهم. أما في الدوحة فهذا غير ممكن، بسبب كثرة الطلبات. أجريت بعض المقابلات، لكننا اعتمدنا بشكل رئيس على جودة الأعمال الفنية المقدمة في الطلبات. كان مستوى الأعمال التي رأيناها مذهلاً حقاً. لدينا طلاب من السعودية، والكويت، والبحرين، ومصر، والأردن، والهند، وباكستان، ونيبال، والولايات المتحدة الأميركية، والمملكة المتحدة، بالإضافة إلى ثلاثة طلاب من قطر.
لنتحدث عن "آرت بازل قطر". المشاريع الأخرى التي ذكرناها تعليمية، أما "آرت بازل" فهو مشروع تجاري. ما الذي دفعك لتولي منصب المدير الفني؟
كنت متردداً لأنني لا أزور معارض الفن عادة. كثيراً ما أشعر بأن أعمالي في صالات العرض لا تعبّر فعلاً عمّا أقصده، إذ تفقد سياقها وتاريخها عندما تُعرض قطعة واحدة فقط للبيع، كما يحدث في معارض مثل "آرت بازل". لهذا افتتحت مدرستي في الإسكندرية بسبب غياب البنية التحتية الداعمة للفنانين، وأرى أن الوضع في الدوحة مشابه. فمعظم من أقابلهم يجمعون بين الفن ومهن أخرى، ونادراً ما يعرّف أحد نفسه كفنان فقط، لأن المسار المهني للفن غير واضح. نحن بحاجة إلى سوق فنية تجارية حقيقية تُمكّن الفنان من ممارسة فنه.
هل ستتبعون أسلوباً مختلفاً عن المعارض الفنية التقليدية في "آرت بازل قطر"؟
كل صالة عرض ستقدم فناناً واحداً فقط، كمعرض فردي صغير. كما نسعى لاستقطاب أكبر عدد ممكن من صالات العرض من المنطقة. الأمر ليس سهلاً، فحتى أفضل الفنانين في العالم العربي لا تُمثّلهم صالات عرض قوية ومتميزة.
ماذا تتوقع أن يحصل عليه زائر "آرت بازل" المواظب في بازل، باريس، ميامي، أو هونغ كونغ عند زيارته "آرت بازل قطر"؟
ما يحدث في قطر اليوم مثير؛ فـ "آرت بازل" لا تكتفي بإقامة معرض في الدوحة، بل تركز فعلياً على المنطقة وفنانيها وتقديم تجربة جديدة. سنشارك فنانين من باكستان والهند وغانا، مما يعزز دور الدوحة كمركز إقليمي. هناك رغبة حقيقية في التجربة وخوض المخاطر، مع إضافة بُعد تعليمي للمعرض. كما أن مفاهيم المتحف وصالة العرض تتغير، والحدود بين الفنانين والقيّمين والسوق تتلاشى. ما نقوم به في مطافئ و"آرت بازل قطر" سيدعم التطور والاكتشاف.
كباريه الحروب الصليبية :3 أسرار كربلاء(2015)، هو الفصل الأخير في ثلاثية أفلام تتناول الحملات الصليبية من منظور عربي، مستوحاة من كتاب "الحروب الصليبية كما رآها العرب "لأمين معلوف. باستخدام دمى مصنوعة من زجاج مورانو، يعيد شوقي سرد التاريخ بشكل غير خطي، مركزاً على صراعات القوى داخل المعسكرين الإسلامي والمسيحي، وبينهما، خلال الفترة الممتدة من القرن السابع إلى الثاني عشر.
العرّابة المدفونة ،(2015) 3 هو الجزء الختامي من ثلاثية أفلام مستوحاة من أدب محمد مستجاب، وتدور أحداثه في قرية جنوبية مصرية شبه متخيّلة. صُوّر الفيلم بتقنية السينغاليت، ويؤدي أدواره أطفال تُركب على أدائهم أصوات بالغين. يستكشف الفيلم العلاقة المتحوّلة بين المجتمع والتقاليد، في طرح بصري وتجريبي يتأمل موروثات الريف المصري وتحولاته.
جُزر المُبارَكين (2022) هو المعرض الفردي السادس لوائل شوقي مع غاليري ليسون، والثاني له في نيويورك. تضمن المعرض أعمالاً سينمائية ولوحات زيتية تتناول كيف تتحول الأساطير إلى معتقدات راسخة. استخدم شوقي دماه المتحركة المميزة لسرد نسخة من أسطورة أوروبا وقدموس الإغريقية، وذلك باللغة العربية الفصحى.
أنا تراتيل المعابد الجديدة (2023) هو عمل سينمائي أُنتج بتكليف من حديقة بومبي الأثرية ضمن برنامجها للفن المعاصر. تدور أحداث الفيلم في قلب المدينة التاريخية، ويستكشف استمرارية الأساطير الإغريقية عبر الثقافات، والحاجة الإنسانية العميقة لنقل هذه الروايات من جيل إلى آخر.