إعادة كتابة المستقبل
نُشر في: يناير 2026
في آرت بازل قطر، تُعيد صوفيا الماريا النظر في الأفكار التي شكَّلت أعمالها المبكرة، وتُؤسّس لسردية جديدة تنسجها الذاكرة والرموز الثقافية.
تناولت الأعمال المبكرة للفنانة القطرية–الأمريكية صوفيا الماريا القوى التي صاغت ملامح الحياة المعاصرة في الخليج، من وتيرة التطور المتسارع، إلى التغيرات البيئية، وصولًا إلى انتشار الثقافة الاستهلاكية.
واليوم، تعود إلى تلك الأسئلة، عبر مشروع جديد طوّرته بالتعاون مع صالة ذا ثيرد لاين في دبي لصالح آرت بازل قطر.
تقول صوفيا: "إنها عودة رمزية… فرصة لأعيد صياغة ما كنت أعنيه هنا، في مكان كان يومًا ما هو المستقبل".
وبعد مسيرة حافلة عرضت خلالها أعمالها في فضاءات عالمية، من متحف ويتني للفن الأمريكي ومتحف نيو ميوزيام في نيويورك، إلى بينالي غوانغجو وبينالي البندقية، تبدو هذه التجربة أيضًا عودة فعلية إلى المكان الذي شهد سنوات تكوينها الأولى.
نشأت صوفيا بين أب قطري وأم أمريكية، متجولة بين الدوحة وواشنطن، قبل أن تعود إلى قطر في العشرينات من عمرها، حيث اضطلعت بدور محوري في افتتاح "متحف: المتحف العربي للفن الحديث". وقد استضاف المتحف لاحقًا، في عام 2022، معرضًا لأعمالها بعنوان "العلاج بالتأمل، العمالة غير المرئية".
في جوهر هذا العمل الجديد شغف باستعادة مصطلح "مستقبلية الخليج" وإعادة تأطيره؛ وهو المصطلح الذي صاغته في بدايات مسيرتها للتعبير عن تسارع التحديث في المنطقة. غير أن المصطلح، كما تشير، "انفلت من سياقه"، حين التقطته وسائل الإعلام وأعادت تداوله بمعنى لم تقصده يومًا وتوضح قائلة: "كنت أتحدث عن وتيرة التغير، والعزلة، والاعتماد الكامل على الوقود الأحفوري" وأضافت: "لم أكن أتحدث عن يوتوبيا".
ومن هنا، تفتح آرت بازل قطر نافذة لتصحيح المفهوم؛ إذ يستمد العمل الجديد ملامحه من تضاريس المكان وذكريات سنواتها في قطر، وبخاصة الملصقات التي تزيّن سيارات تويوتا هايلوكس، والتي بقيت، في طفولتها على أطراف الدوحة خلال الثمانينيات والتسعينيات، عنصرًا ثابتًا في المشهد اليومي؛ علامة على اختلال العلاقة بين الأجيال داخل ثقافة تشكَّلت على وقع الثراء المفاجئ والتوسع العمراني المتسارع.
يتمثل العمل المحوري في تركيب آرت بازل قطرفي لوحة كبيرة الحجم، تمثِّل عودةً إلى ممارسة أكثر تقليدية بعد أعمالها الأدائية الأخيرة، ومن بينها عمل جداري (خدعة بصرية ضاحكة)، وهو عمل أدائي استلهمت فيه عرض الكوميديا الارتجالية، ونال جائزة فريز لندن للفنانين لعام 2025.
يلتفّ خطٌّ زمنيٌّ طويل حول مساحة عرض صالة ذا ثيرد لاين، ويتَّخذ ملامحه البصرية من ملصقات تشبه ألسنة اللهب. وتصفها صوفيا الماريا: "إنها جميلة، وعدوانية، وقَبَلية، وحادَّة الإحساس. أرسمها بالألوان المائية والأكريليك؛ لمنحها طابعًا أكثر شفافية، ثم أُكدّس فوقها صورًا من الثقافة الشعبية، لأصنع بصمة زمنية مشوَّهة للحظة بعينها". والنتيجة أرشيفٌ مُعاد تخيُّله لماضي الخليج القريب، يطرح تساؤلات حول من يكتب السرديات التاريخية، ومن يملك حق تعريفها.
إلى جانب ذلك، تقدِّم الماريا سلسلة من أعمال الكولاج التي تحاور أفكار التركيب الرئيسي. مستمدَّة من شغفها القديم بالسينما، وتجمع هذه الأعمال بين ملصقات وصور طفولة ولافتات طريق وصور شاشة، ضمن تكوينات ذات طابع سينمائي. وتقول: "الكولاج يسمح لي بالتفكير كمحرر بصري" وتضيف "إنه طريقة أخرى لتشكيل ما يُرى".
وفي زمن يُختزل فيه الخليج غالبًا في صورة إمكانات مستقبلية، يلتفت مشروع صوفيا المارية في آرت بازل قطر إلى الماضي بعين فاحصة. وتوضح: "أشعر برغبة في الدخول إلى التاريخ، لا بمعنى أن أُخلد، بل لكي أفعل". وتضيف: "هذه الأعمال تفتح باب الحوار؛ قد تجعل الناس يتساءلون: أين يقفون؟، وما هي دلالة هذه الإشارات؟، ولماذا تؤثر فيهم صورة ما بهذه القوّة؟".
جاليري الخط الثالث
قد يكون هذا أول حضور لآرت بازل في الخليج، إلا أن المنطقة تحتضن بالفعل عددًا من المؤسسات الراسخة في مجال الفن المعاصر، وتأتي في مقدمتها جاليري الخط الثالث في دبي، الذي احتفل عام 2025 بمرور عشرين عامًا على تأسيسه.
تعود جذور الجاليري إلى سنوات الشريكة المؤسِّسة سني رهبر في نيويورك. فبعد تصاعد موجة العداء للعرب في أعقاب أحداث 11 سبتمبر، عادت إلى دبي وهي تحمل رغبة واضحة في صياغة سردية مضادة. وبالتعاون مع صديقتها ليزا فرجم، أطلقت مجلة "بدون" المتخصصة في الفنون والثقافة في المنطقة، وعقب ذلك بوقت قصير، شاركت في تأسيس "الخط الثالث" إلى جانب كلوديا تشيلليني وعمر غباش، معلنين ميلاد منصة تعنى بالمعارض الفنية، وعروض الأداء، والعروض السينمائية، ونوادي القراءة.
في عام 2008، افتتحت "الخط الثالث" مساحة لها في الدوحة بالتعاون مع رائد الأعمال الثقافي القطري طارق الجيدة. غير أن الأزمة المالية العالمية أدَّت إلى إغلاق هذه المساحة بعد 16 شهرًا فقط. ومع ذلك، واصل الجاليري في دبي نموّه، مكرِّسًا جهوده لدعم فنانين مخضرمين وناشئين من المنطقة ومن دول المهجر، من بينهم القطرية الأمريكية صوفيا الماريا.
وقدَّم جاليري الخط الثالث أول معرض فردي لصوفيا الماريا في دولة الإمارات العربية المتحدة عام 2017، حيث حمل المعرض عنوان "Everything Must Go"، وكان امتدادًا لعرضها في متحف ويتني للفن الأمريكي بعنوان "Black Friday"، وتمحور حول فيلم جعل مراكز التسوق الفاخرة في الدوحة موضوعًا للرعب.
تقول رهبر: "تتميّز ممارسة صوفيا بقدرتها الدقيقة على مساءلة السرديات الثقافية، ومستقبل البيئة، وتجارب المعيشة في الخليج" وتضيف: "إن قدرتها على الجمع بين الصرامة المفاهيمية والسرد القصصي جعلت صوتها لافتًا منذ ميلادها الفني".
واليوم، ما تزال "الخط الثالث" واحدة من أبرز صالات العرض في المنطقة، حيث توسَّع نطاق اهتمامها ليشمل الشرق الأوسط وأفريقيا وآسيا، وتواصل دورها المؤثّر في تشكيل الكيفية التي يُرى ويُفهم بها الفن المعاصر القادم من الخليج على الساحة الدولية.