مكانٌ للحياة لا للهجران
نُشر في: يناير 2026
تُواصل النسخة القطرية الجديدة من معرض غوغنهايم نيويورك لعام 2020 استكشاف ماضي وحاضر ومستقبل الريف.
بقلم: ديبيكا راي
مكانٌ للحياة لا للهجران
تُواصل النسخة القطرية الجديدة من معرض غوغنهايم نيويورك لعام 2020 استكشاف ماضي وحاضر ومستقبل الريف.
مكانٌ للحياة لا للهجران
يقول سمير بنتل، مدير ،AMO الذراع البحثية لمكتب العمارة الحضرية ،(OMA) وهو المكتب الذي شارك في تأسيسه المهندس المعماري الهولندي ريم كولهاس": نحن كبشر لسنا مضطرين للعيش في المدن. فلكي نضمن بقاءنا كجنس بشري، علينا أن نكون قادرين على العيش في الريف أيضاً".
في شهر أكتوبر، سيفتتح الاستوديو معرضاً في قطر بعنوان "الريف: مكان للحياة لا للهجران"، والذي يدعو المشاهدين إلى التأمل في ٪98 من مساحة العالم التي لا تشغلها المدن. الرسالة واضحة: بدلاً من هجرة الناس من الريف، ربما علينا العودة إليه والحفاظ عليه، لأننا أصبحنا نواجه الآن معضلة التحضر.
المعرض هو نسخة جديدة من عرض "الريف- المستقبل" الذي أقيم في متحف غوغنهايم في نيويورك عام 2020. رعت متاحف قطر هذا المعرض، وكان الهدف دائماً هو نقله إلى الدوحة في يوم من الأيام. مع سمير بنتل وريم كولهاس كصاحبَي الفكرة الأساسيين، احتل معرض "الريف- المستقبل" كامل القاعة المستديرة الشهيرة لمتحف نيويورك، بالإضافة إلى امتداده إلى الشارع على شكل دفيئة حضرية مليئة بالطماطم النامية خارج مدخل المبنى. وقد انطلقت الفكرة من حدث تاريخي محوري هو اللحظة التي تجاوز فيها عدد سكان المدن في عام 2007 عدد سكان المناطق الريفية.
بالنسبة لفريق AMO/OMA، طرح هذا السؤال الوجودي: هل من الحتمي أن نعيش جميعاً في المدن في المستقبل؟ وهل هذا هو الخيار المرغوب؟ كما دفعهم للتفكير في مدى ضآلة معرفتهم بالمناطق التي يتركها البشر وراءهم. لم يكن الهدف الأساسي من المعرض تحديد مفهوم الريف بشكل قاطع، بل التركيز على إظهار "دليل على التغيير الجذري" الحاصل من خلال مجموعة من الأمثلة المستخلصة من سياقات متنوعة في أوروبا والأميركيتين وأفريقيا وشرق آسيا وأستراليا.
شملت دراسات الحالة مزارع صناعية ضخمة –منشآت تكنولوجية متطورة حيث يستخدم العمال مصطلحات تنافس تلك المستخدمة في وادي السيليكون– بالإضافة إلى مراكز بيانات ضخمة يتم فيها إنجاز الكثير من العمل بواسطة الروبوتات. يقول بنتل: "هذه التطورات لم تأتِ مجاناً، بل كانت لها تكلفة، مثل توحيد أساليب الزراعة وتقليص التنوع فيها". لقد تبين أن الصورة التي نحملها عن الريف كمساحة قديمة وثابتة كانت خاطئة. "الريف في هذه الأماكن ديناميكي بشكل مذهل، مرن وربما أكثر تقدماً من أي مدينة. إنه قادر على تبني التكنولوجيا بسهولة أكبر، مما يغيره بوتيرة مذهلة".
وقد برز هذا الاستنتاج بشكل جلي خلال جائحة كوفيد-19، التي ضربت العالم بعد شهر من افتتاح معرض غوغنهايم. فقد أحدثت هذه الكارثة العالمية اضطراباً في المراكز الحضرية، بينما استمرت الحياة الريفية إلى حد كبير كما هي. كانت المراكز الحضرية "الذكية" عرضة للضعف بشكل استثنائي. "ما قيمة ‹الذكاء› إذا انهار بسبب فيروس؟" يتساءل بنتل.
بعد خمس سنوات، ومع تسارع الأزمة البيئية، أصبحت التفكير في مسألة عيشنا على هذا الكوكب أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى – مع تداعيات تمتد من الأمن الغذائي إلى التكيّف مع التغيرات المناخية. وفي هذا السياق، يبدو أن إعادة تنظيم المعرض في الدوحة تأتي في وقتها تماماً. ولكن هناك تركيز جديد؛ فصحيح أنه سيتم عرض نتائج بحث المعرض الأصلي، إلا أن النسخة الجديدة لن تكون مجرد استعراض للتطورات المثيرة، بل هي دعوة للعمل لإعادة احتضان الريف في عالم يتجه نحو الاندثار الحضري. يقول بنتل: "أردنا أن نُظهر أن لدينا بديلاً آخر". وبما أن المعرض سيُقام في مبنى مدرسة قديمة (مدرسة قطر الإعدادية QPS) تعود إلى خمسينيات القرن الماضي، فإنه سيُشرك جمهوره من خلال تحفيزه على تخيل مستقبل ريفي نشط.
المعرض الجديد يوجه أيضاً تركيزه الجغرافي بشكل مختلف – في إشارة إلى موقعه في قطر والتحولات الجيوسياسية التي شهدها العالم في العقود الأخيرة، حيث تنمو أعداد وقوة سكان أفريقيا والشرق الأوسط وآسيا، التي تضم بالفعل ٪80 من سكان العالم. يقول بنتل: "لقطر علاقة قوية بالشرق – مع الهند وباكستان والصين – عبر الروابط القديمة التي نشأت عبر طرق الحرير، واليوم من خلال العمالة". يضيف: "هناك أيضاً روابط مع أفريقيا، وهي منطقة حاسمة لجهة أمن قطر الغذائي". ورغم أن نطاق المعرض الأصلي كان واسعاً، إلا أنه لم يكن شاملاً، وربما بسبب تركيزه على التغير التكنولوجي السريع، فإنه لم يركز بشكل كافٍ على هذا الجزء الكبير من العالم الذي يشير إليه بنتل بأنه "جزء منسي من عالم منسي".
"الريف- المستقبل"
ركز هذا المعرض في نيويورك على الريف كمساحة للتجريب والتطوير. قدم رؤية بانورامية للهياكل الاجتماعية الجديدة من مناطق مختلفة مثل الصين وأفريقيا وأوروبا والولايات المتحدة. في الدوحة، سيتم تبني نفس المنهج، ولكن مع انتقال جغرافي واضح من جنوب أفريقيا إلى سواحل اليابان. بإذن من OMA/AMO
من خلال توسيع نطاق المعرض، حدد القيمون عليه قوساً يمتد من أفريقيا، مروراً بالشرق الأوسط وآسيا الوسطى، وصولاً إلى منغوليا والصين. يقول بنتل: "يضم هذا القوس 35 دولة واثنين من أهم الممرات البحرية في العالم – الخليج العربي والبحر الأحمر". ويضيف: "هذه المنطقة هي مهد الإنسان الحديث، وتضم بعضاً من أقدم حضاراتنا. وكانت الروابط بين قرى ومدن هذه المنطقة هي ما جعل المدن الأوروبية تزدهر".
ظلت هذه المنطقة نسبياً بمنأى عن التصنيع، فهي أكبر مساحة ريفية في العالم، ذات تضاريس جبلية وغالباً غير ساحلية، مع فهم أعمق للطرق التقليدية للعيش والمجتمعات البدوية. هذا الانعزال جعلها أقل تلوثاً وساهم في انخفاض وفيات كوفيد-19 بفضل العزلة وشبكات القرى والعاملين الصحيين الريفيين.
صورة ثابتة من معرض الريف، المستقبل، 2020. بإذن من مكتب العمارة الحضرية (OMA)/ الذراع البحثية لمكتب العمارة الحضرية (AMO)
"خلال العقود الماضية، لاحظت أنه بينما انصبّ قدر كبير من طاقاتنا وتفكيرنا على تطوير المناطق الحضرية في العالم، شهد الريف تحوّلات عميقة جعلته يكاد لا يُعرَف"
ريم كولهاس
تواجه المدن تحديات مألوفة مثل التلوث والازدحام وارتفاع تكاليف المعيشة، ما دفع الحكومات والسكان لإعادة التفكير في النمو الحضري المستمر.
الأجيال الشابة تبحث عن ريف أكثر ترابطاً يتيح لهم البقاء قريبين من جذورهم مع الاستفادة من مزايا المدينة، بما في ذلك أنماط هجينة تجمع بين الزراعة المستقبلية المدعومة بالتكنولوجيا والأساليب التقليدية، مثل استخدام الخدمات الرقمية للتحويلات المالية في القرى دون الحاجة للانتقال إلى المدن.
"إلى أين نتجه من هنا؟ لقد وُلدت المدن من رحم التصنيع، ولهذا السبب نميل إلى العيش بالقرب من بيئات العمل. ولكن في العصر الرقمي، قد يرغب البشر في العيش معاً وتوحيد الموارد. هل هناك صيغ مختلفة لذلك؟" يتساءل بنتل. الحياة في الريف ستتطلب تصميماً مدروساً إذا أردنا تجنب نفس المشاكل التي تواجهها المدن، بالإضافة إلى ضرورة إعادة صياغتها لتصبح أكثر جاذبية للملايين الذين يفضلون أو يضطرون لتحمل الحياة الحضرية. بدأ بنتل يرى هذا التوجه في دول الخليج: في قطر وأماكن أخرى، بدأت فكرة الفخامة على الشواطئ تتراجع لصالح شيء أكثر أصالة يتناسب مع المنطقة. يقول: "الآن، أصبح المكان ‹الرائع› هو الصحراء، في مجتمعات منخفضة الارتفاع ومستدامة، تشبه طريقة حياة الناس هناك في الماضي".
هل حان وقت هجران المدن؟ وإذا أدى نزوح سكان المدن إلى تحويل البيئة الريفية إلى شكل لا يُمكن التعرف عليه، فما الذي سيحدد ماهية الريف بعد ذلك؟ رغم دعمه القوي لفكرة الريف، يعترف بنتل بأن هذه الانقسامات تمثل تبسيطاً مفرطاً. على سبيل المثال، قد يكون القوس الذي درسوه ريفياً في معظمه، لكنه أيضاً مكتظ بالسكان. بمعنى آخر، في أجزاء كبيرة من العالم، يعيش الناس في منطقة وسطى بين طرفي نقيض. يقول بنتل: "نحن عادةً ما نميل للتفكير في الثنائيات، لكن ليس بالضرورة أن يكون الأمر إما/أو. نحن على أعتاب إعادة تعريف ما تعنيه المدينة وما يعنيه الريف".
الاستعداد للمستقبل
أحد الموقعَين اللذين يُعرض فيهما معرض "الريف: مكان للحياة لا للهجران "هو مدرسة قطر الإعدادية، إحدى أقدم المؤسسات التعليمية في البلاد. دق جرس المدرسة للمرة الأخيرة قبل سنوات عديدة، والمبنى الآن في مرحلة التحويل إلى كلية تقنية. عند افتتاحها، ستُدرّب المدرسة أجيالَ المستقبل على مهارات تقليدية مثل النجارة، والحدادة، وصناعة الفخار، بالإضافة إلى تقنيات وأساليب التصميم في القرن الحادي والعشرين، كالطباعة ثلاثية الأبعاد، والروبوتات، وعلم الأحياء التركيبي، والتصميم الرقمي والبارامتري. يتولى المهندس المعماري والمصمم الصناعي الفرنسي فيليب ستارك عملية تحويل المدرسة. انظر الصورة في الصفحة السابقة.
OMA وقطر
قام ريم كولهاس بزيارة قطر لأول مرة بعد أن تلقى رسالة من حكومتها تُعرب فيها عن اهتمامها بالتعاون مع مجموعة من المعماريين لبناء مشاريع في البلاد. وقد أدى ذلك إلى تكليف مكتبه OMA بتصميم مكتبة قطر الوطنية ومقر مؤسسة قطر، التي تُركز جهودها على التعليم والعلوم وتنمية المجتمع.
منذ ذلك الحين، تعمقت علاقة OMA مع قطر، حيث يعمل الاستوديو حالياً على تصميم "متحف قطر للسيارات"، الذي سيستكشف ماضي وحاضر ومستقبل السيارات، كما يتعاون في إعداد "مخطط قطر"، الذي يهدف إلى ربط المشهد الحضري ببيئاته الطبيعية وسكانه. وفي حوار بودكاست مع سعادة الشيخة الميّاسة، قال كولهاس: "على نطاق ضيق، يمكنك، وللمفارقة، أن يكون لديك طموحات أكبر وأكثر تماسكاً مما يمكنك تحقيقه في بلد ضخم يتجاوز ببساطة طموحاً واحداً". يمثل المخطط خطوة تتجاوز مجرد دراسة الريف والدعوة إليه، لتتحول إلى محاولة جادة نحو إحداث تحول حقيقي في العالم.