نُشر في: يناير 2026
كلفت متاحف قطر المهندسة المعمارية اللبنانية لينا غطمة بتصميم جناح وطني دائم في بينالي البندقية، وهو أول جناح يُضاف إلى حديقة الجيارديني (Giardini) منذ 30 عاماً.
تصوير: بريجيت لاكومب
في قلب كل دورة من بينالي البندقية يوجد "الجيارديني"، وهي حديقة منسّقة في شرق المدينة تضم 29 جناحًا وطنيًا إضافةً إلى الجناح المركزي الكبير — وهي مبانٍ دائمة تُجسّد حضور الدول رمزيًا.
وعند افتتاح مهرجان 2025 في مايو (ويُختتم في 23 نوفمبر)، أعلن المنظّمون عن إضافة جديدة إلى "الجيارديني" هي "جناح قطر"، الذي ستصمّمه المعمارية اللبنانية المقيمة في باريس لينا غطمة. تُعدّ هذه الإضافة واحدةً من ثلاث إضافات فقط إلى "الجيارديني" خلال نصف القرن الماضي، والأولى التي تصمّمها امرأة. ويُشكّل المشروع المرتقب منعطفًا محوريًا ليس لقطر فحسب، بل أيضًا لتمثيل العالم العربي في أحد أكثر المواقع رمزية في العمارة المعاصرة.
تقول غطمة، مؤسِّسة LGA) Lina Ghotmeh Architecture): "إنه منعطف مهم" — صوت لقطر والعالم العربي يدخل "الجيارديني"، حيث تجتمع الفنون والعمارة وأشكال الإبداع في كل دورة. الحضور هنا تمثيل وتنوّع".
عندما أُعلن عن غطمة مهندسةً للجناح القطري في البندقية، قالت سعادة الشيخة المياسة في بيان: "تُلهم أعمال غطمة جمهوراً جديداً وتقليدياً بحساسيتها للحالة الإنسانية وأسلوبها الواثق والمبتكر".
"نشأتُ في مدينة مزقتها الحرب... وهناك رغبة في الشفاء وإعادة البناء وإعادة الجمال إلى بيئتها".
لينا غطمة
تُضفي غطمة على المشروع فهمًا شخصيًا عميقًا للذاكرة والمكان والتعبير الثقافي. فقد وُلدت ونشأت في بيروت، وعاشت الدمار وإعادة الإعمار — تجربةٌ صاغت اهتمامها المبكر بالبيئة المبنية، ولا تزال تؤثّر في مقاربتها حتى اليوم. وتوضح: "النشأة في مدينةٍ تمزّقها الحروب وتُهدم مبانيها باستمرار تولّد رغبةً في الشفاء وإعادة البناء وجلب الجمال". وتضيف: "العيش في لحظات النزاع جعلني أفكر أيضاً في الدور الذي تلعبه العمارة في جمع الناس معاً. إنها وسيلة لإعادة بناء العلاقة بين البشر ومحيطهم".
يمتد تاريخ بيروت لأكثر من خمسة آلاف عام، وهذه الطبقات الحضرية — التي تتبدّى في مواقعها الأثرية — تُغذّي عمل غطمة؛ إذ تستكشف دائمًا تعريف الموقع اجتماعيًا وتاريخيًا وماديًا، وكيفية التعبير عنه بصورة معاصرة.
ولاحقًا، انتقلت إلى باريس بدعوة للعمل على مشروع في بيروت لدى المعماري الفرنسي جان نوفيل. وبعد فترة قصيرة، شاركت وفازت في مسابقة تصميم المتحف الوطني الإستوني، ما دفعها إلى تأسيس مكتبها. تقول: "قادني القدر إلى باريس؛ سياقٌ ترى فيه الأمور من زاوية جديدة، وتنظر إلى إرثك بمنظور مختلف. في فرنسا حساسية للتاريخ والجمال تختلف عمّا في لبنان".
رغم تردد غطمة في تحديد ماهية الأسلوب العربي المعاصر، والذي تعبر عنه بالقول: "نعيش لحظة تُطرح فيها أسئلة الهوية وتُعاد صياغتها" — إلّا أنّ الثوابت التراثية في عمارة المنطقة تشكّل مصدر إلهام واضح في عملها. تستشهد بأعمال المعماري المصري حسن فتحي (1900–1989) الذي كان من أبرز الداعين إلى استخدام تقنيات البناء المحلية، كما تتحدث بشغف عن قدرة العمارة العربية التقليدية على تقديم حلول واقعية لقضايا العصر، من تغيّر المناخ إلى الاستدامة البيئية وندرة الموارد.
ولعل الجانب الأهم في عمل غطمة هو الطريقة التي توظف بها العمارة لتعزيز روح التآلف واللقاء داخل المساحات التي تصممها. تقول: "أؤمن بأن العمارة يجب أن تخلق فضاءات للضيافة، تحتضن الناس وتشعرهم بالانتماء. وهذا بُعد متجذّر بعمق في العمارة العربية". هذا الإحساس العميق بالترحاب هو ما يشكّل الأساس الذي انطلقت منه في تصميم "جناح قطر".
جاء التكليف ثمرة مسابقة دامت ستة أشهر أطلقتها "متاحف قطر" بإشراف سعادة الشيخة المياسة بنت حمد بن خليفة آل ثاني (رئيس مجلس الأمناء). شاركت غطمة مع أكثر من عشرة معماريين في ورشٍ وزيارات ميدانية. وقد اختارت لجنة التحكيم — برئاسة المعماري الهولندي ريم كولهاس — مقترحها الفائز لما يتّسم به من وضوح مفاهيمي وتجذّر ثقافي، وهما من ثوابت أسلوبها.
حتى لحظة كتابة هذا النص لم تبدأ أعمال البناء؛ إذ يشغل الموقع — المتاخم لـ "جناح الكتاب" من تصميم جيمس ستيرلنغ وسط "الجيارديني" — تركيبًا مؤقتًا للمعمارية الباكستانية ياسمين لاري بعنوان "المركز المجتمعي"، ويُعدّ أول مشاركة رسمية لقطر في بينالي العمارة ضمن برنامج أوسع من إنتاج "متاحف قطر" بعنوان "بَيتي بيتك". — صيغة تكرّس الضيافة والمجتمع والحِرفة. أُنجز الهيكل المقبّب من الخيزران بالكامل، ويستكشف كيف تتقاطع الحِرفة والمجتمع والضيافة في عمارة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وجنوب آسيا.
هذا التركيب المؤقت يمهّد للمواضيع التي تتناولها غطمة في تصميم "جناح قطر" بطريقة شاعرية. وتقول: "كان التحدي يتمثل في ابتكار جناح يُجسّد قطر بصدق، دون الوقوع في الكليشيهات أو تقديم صورة مختزلة للهوية. كان لا بد أن ينقل شيئاً متجذراً بعمق في الثقافة القطرية، وفي الوقت ذاته يعكس نقطة التقاء بين قطر والبندقية".
انطلقت غطمة من دراسة معمّقة للثقافة القطرية، مستكشفةً القيم المرتبطة بالحِرف التقليدية وفلسفة الضيافة، إلى جانب إرث الغوص بحثاً عن اللؤلؤ، الذي يُعدّ ركيزة أساسية في الهوية الوطنية. وبالتوازي، تأملت في تاريخ البندقية — المدينة التي لطالما صاغتها علاقتها بالماء — وبدأت ترسم خيوطاً من التقاطعات والروابط بين هاتين الثقافتين، المختلفتين شكلاً والمتقاربتين جوهراً.
وتصف الواجهة: "طابع رأسي وإيقاع بصري — كأن المبنى كلّه شلال. كتلة تنهض إلى أعلى وتنساب إلى أسفل. هذا الإيقاع يوازي تشكيلات الحجر في عمارة البندقية". ويحتفي التصميم بمواد محلية تُحيل إلى التقاليد الحِرفية في قطر والبندقية: النسيج، الزجاج، الحجر؛ بما يعكس التقاء ثقافتين غنيّتين بالإبداع الحرفي.
في الداخل، تحتضن قاعة فسيحة معارضَ متنوّعة، بينما يوفّر السطح المفتوح للزوار إطلالات غير مسبوقة على حدائق "الجيارديني". لا يقتصر دور الجناح على دعوة الجمهور لاكتشاف الثقافة القطرية، بل يقدم أيضاً منصة تفاعلية تجمع الفنانين والقيّمين والمبدعين من قطر والمنطقة في فضاء للحوار والتعاون. وتختتم غطمة حديثها بالقول "أطمح لأن يشعر الزوار بأنهم موضع ترحيب في بيئة تنقلهم إلى رؤية مختلفة للعالم. أن يغادروا وقد خاضوا تجربة ذات مغزى، شعروا فيها بروح الضيافة ودفء الانتماء إلى المكان".
أول عرض بصري لتصميم لينا غطمة لجناح قطر الدائم في حدائق جيارديني في بينالي البندقية، كُشف عنه خلال بينالي العمارة في البندقية في مايو .2025الصورة: © مكتب لينا غطمة للهندسة المعمارية. 2025 - حتى الآن
الحسّ المرهف بالسياق، الذي يميز "جناح قطر" بهذا الوضوح والجمال، ليس سمة عابرة في أعمال لينا غطمة، بل هو جوهر ثابت في مسيرتها المعمارية. تقول: "لكل مكان طاقته الخاصة، موارده، وتاريخه الفريد". في المتحف البريطاني بلندن، حيث تم اختيارها لإعادة تأهيل صالات الجناح الغربي، اقترحت غطمة تصميم فضاءات شاهقة تغمرها أشعة الضوء الطبيعي، تتخللها نوافذ علوية وفتحات مقوسة تُضفي على المكان شعوراً بالاتساع والسكينة. تضم هذه القاعات قطعاً أثرية من مجموعات الشرق الأوسط وسوريا ومصر، وقد أُعيد تصورها لتشجّع الزوّار على تأمل العلاقة بين هذه القطع وسياقاتها التاريخية والمعاصرة. وتقول غطمة: "العمارة، في جوهرها، وسيلة لبلوغ فهم أعمق للتاريخ. أردنا من خلال هذا المشروع أن نمنح المتحف مساحة يتنفس فيها من جديد، وأن نعيد إليه ذلك الإحساس النادر بالدهشة — عندما تتحول المتاحف من أماكن عرض جامدة إلى تجارب حيّة، تدعو للتفكير، وتخلق شعوراً بالانتماء".
في سيول، بكوريا الجنوبية، تعمل شركة LGA على تصميم مكتبة، وفي توياما (اليابان) تشرف على إنشاء مرصد، وكلا المشروعين يهدف إلى تعزيز التفاعل المجتمعي وفتح المساحات العامة أمام الناس.
وفي نورماندي (فرنسا) أنجز مكتب غطمة مؤخراً ورشة عمل منخفضة الكربون ومُنتجة للطاقة لصالح دار الأزياء الفاخرة هيرمس. تقول غطمة: "كان المشروع احتفاءً بالعمل اليدوي — باستخدام تراب الموقع، والبناء المستدام، وإعلاء لقيمة الحِرفية الأصيلة".
"أعتقد أن العالم بحاجة ماسة للجمال - لحظات تجمعنا وتبني السلام".
لينا غطمة
وفي تطور حديث، أعلن في سبتمبر عن اختيارها لتصميم متحف "إرث الجَديديين" في مدينة بخارى، بأوزبكستان — صُمّم المتحف ليروي قصة حركة الجديديين - وهي جماعة إصلاحية ظهرت أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين في جميع أنحاء آسيا الوسطى – والعمل هو إعادة تصميم لمنزل من القرن التاسع عشر كان في السابق منزلاً لأول رئيس لجمهورية بخارى الشعبية، ليتحوّل إلى فضاء ثقافي يُعيد إحياء الذاكرة الإصلاحية لتلك المرحلة المفصلية.
تتنوّع مشاريع LGA من حيث التصميم والمظهر، لكنها جميعاً تنطلق من جذور واحدة: الانتباه العميق للمكان، وصدق العلاقة مع المواد، والبحث عن المعنى — وهي المبادئ ذاتها التي يتجسّد فيها جناح قطر المرتقب. بالنسبة للينا غطمة، فإن جوهر العمارة يكمن في قدرتها على أن تكون جسراً يصل بين الثقافات، وأداة لحفظ الذاكرة، وفي الوقت نفسه، بوابة تفتح على احتمالات المستقبل.
"أكثر ما يبهجني في مهنة العمارة هو العمل عبر ثقافات مختلفة، وقدرة العمارة على ربط الناس الناس ببعضهم ونشر الجمال. أعتقد أن العالم بحاجة ماسة للجمال - لحظات تجمعنا وتبني السلام".
We use cookies to improve your experience on our site. By using our site, you consent to cookies.
Manage your cookie preferences below:
Essential cookies enable basic functions and are necessary for the proper function of the website.
These cookies are needed for adding comments on this website.
Statistics cookies collect information anonymously. This information helps us understand how visitors use our website.
Google Analytics is a powerful tool that tracks and analyzes website traffic for informed marketing decisions.
Service URL: policies.google.com (opens in a new window)